آخر الأخبار

أضف النص الخاص بالعنوان هنا

الكوميرة و الكاميرا و أشياء أخرى…

الكوميرة و الكاميرا و أشياء أخرى…

عبد اللطيف سرحان - الجديدة

فتح الله حافظي (كاتب)

مرة أخرى يعود مسلسل “كوميرة وفريميجة” في جزء جديد، بإخراج أكثر إثارة، وهذه المرة ببطولة مصطنعة لبعض عمّال الإنعاش الوطني أو عمال البلدية الذين اكتشفوا – فجأة – أن العامل والباشا والرئيسة “ناس ملاح” وطيّبون… يستحقون، بلا نقاش، عبارات الثناء من قبيل: “الله يعمر ليهم الدار”. فالرئيسة “بنت الخير”، والباشا “ولد الناس”، والكل – في الرواية الرسمية –من أهل الجود والفضل لا يُشْكَرون إلا بالعلن وأمام عدسات الكاميرا.
ماشي مشكل، كلشي مزيان، والله يزيدهم خيراً فوق خير حتى تفيض خميرتهم. المهم أن الخير موجود… والنية باينة وواضحة وضوح الشمس في نهار جميل.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه، ويبرز وسط المشهد مثل كاميرا مثبتة فوق حامل ثلاثي الأرجل، هو:
لماذا كل هذا التصوير؟ ولماذا كل هذا النشر؟ ولماذا يتحوّل أي عمل اجتماعي بسيط إلى بث مباشر، وصور مركّبة، وبارتاجات بالجملة، ولايكات لأتباع اعتادوا الاقتيات على فتات الموائد، ولأعضاء فرقة جوقة المادحين؟
أسيدي، راه حتى واحد ما منع هاذ الناس من الحضور، وحتى واحد ما قال لهم “ما تجيوش”، وحتى واحد ما منعهم من فعل الخير، وحتى واحد ما قال ليهم علاش وزعتوا الكومير و الجبن على العمال . التساؤل هو واش الخير أصبح يحتاج كاميرا؟ وعلاش الإحسان ولى كيتسلّم مثل “البركة” ولكن بزاوية تصوير مضبوطة وإضاءة محسوبة؟
في الزمن القديم – ذاك الزمن الذي لم تكن فيه الفيديوهات – كان مَنْ يفعل الخير يخفيه، ويقول:
“لي يدير الخير، يديرو بينو وبين مولاه”، واليد اليسرى لا تعلم ما تعطيه اليمنى.
أما اليوم، ففعل الخير ( إذا ما اعتبرنا كوميرة وفريميجة خيرا) يأتي مصحوباً بالمونتاج والتوضيب، وفي بعض الأحيان بمخرج يفهم ويتقن بعث “الرسائل التواصلية المرمّزة”.
الغريب أن الفيديو الجديد بدا كأنه محاولة لمحو آثار الفيديو القديم؛ وكأن ثمة من يريد أن يقول لنا:
“شوفو… كلشي بخير، الجميع فرحان، والجميع كيشكر!” ونتوما مالكم …سيروا تلاحوا في واد بنموسى واخا ما فيه ماء، أنتم اعداء الخير، أعداء التنمية البشرية، وجيوب مقاومة التغيير وأعداؤه.
لكن هؤلاء لم يفهموا أن المشكلة، بالنسبة لنا وللمواطنين، ليست في من يشكر من، بل في هذا الهوس المرضي بتوثيق كل شيء… حتى ما لا يحتاج إلى توثيق، ولو كان برنامج عمل، أو إنجازات على الأوراق، يسلم لمسؤول حزبي بمناسبة نشاط حزبي ؟؟؟؟. ويُصَور المشهد
بفخر كما لو أنه فتحاً سياسياً مبينا؟ أليس هذا هو الهوس بعينيه؟
وقبل هذا وذاك، يبقى السؤال مُرفرفاً فوق المشهد مثل درون صغيرة:
هل خروج العمال كان بريئاً؟
هل كانت صدفة أن يظهروا اليوم، بهذا الشكل في نظام وانتظام، وهذا الحماس غير المعتاد، وهذا الخطاب المحبوك المنسجم، وبهذه الجودة العالية في التصوير FHD؟
هل هم فقط “مساكن” دُفعوا دفعا، للظهور من جديد، لكن هذه المرة قصد تبرئة من ناولوهم كأس الإهانة و المذلة، مرفوقا ب “الكوميرة والفريميجة”؟
أم أن هناك “يد خفيفة” تعرف جيداً توقيت الظهور… وتوقيت الاختفاء… وتوقيت الكلام؟.
والحقيقة أن الإخراج كان ضعيفاً، يفتقر صاحبه إلى رحابة الخيال. ولو كنت مكانه لاقترحت مثلا تنظيم مسيرة يقودها مصطفى سيسي، تجوب شوارع مدينة سطات، تردد بصوت واحد وبميزان “حبة طالعة، حبة هابطة”…
ما سْخَيْنا يا لالة… ما سْخَيْنا ياسيدي… ما سْخَيْنا بالرئيسة.
وحين الوصول أمام قصر البلدية، يتغير الميزان فجأة ويأخذ نفسا نضاليا/ثوريا على منوال:
موتْ موتْ يا العْدو… سي هشام عندو شعْبو!…
بالروح ،بالدم ..نفديك يا هشام
كلنا فـدا…فدا …لرئيستْنا “الفُونِيدَة”…عفوا…العجيبة
ربما كان الإخراج حينها سيكون تأثيره أكبر ومفعوله أقوى.
الخلاصة أننا أمام جيل جديد من المسؤولين، يفضلون “البلاغات المرئية” و”بيانات الحقيقة المصوّرة”:
جيل يُصوِّر العمال وهم منتشون يشكرون المسؤولين، والمسؤولون يشكرون العمال، والجمهور يبقى يتفرج ويحاول تفكيك الشفرات:
واش هاد الشي عفوي وتلقائي؟
أم أنه فعلاً “تسخينات انتخابية” قبل الأوان… وبمباركة الجهة المعلومة؟
وبما أن الجميع اليوم يُصوّر، ويُصوّر من يُصوّر، ويُصوّر كيف تم تصوير من يُصوّر… ربما يجب أن نرفع شعار المرحلة:
“دير الخير… وصوّرو، باش ما يقولوش ما درتيش.”
فموعد الحَرْكة قريب… وتحتاج فيديوهات أكثر مما تحتاج منجزات. ويبقى الأمل أن يعود
فعل الخير إلى جوهره: هادئا،
بدون ضجيج، نقياً، بلا فلاش، وبلا رسائل في الكواليس.
صحيح أيها العمال،انتم الأدْرَى بكرامتكم، وانتم المعنيون بالدفاع عنها بالدرجة الأولى. ولا احد يريد أن يَحُل مَحَلكم، ولا نرغب في ذلك، لكن وبكل ببساطة، نحاول شرح كيف ينبغي أن تكون الأمور، وننتقد كل توظيف سياسوي للحظات إجتماعية بسيطة، ونستنكر في الوقت ذاته صمت من يُفْترض بهم حماية تلك اللحظات والحفاظ على إنسانيتها.
هذا ما كان… وبه وجب الإعلام و السلام…وكل فيديو وانتم بألف خير رافلين في الكرامة.
للكلام صلة :
كانت رشيدة ذاتي، وزيرة الثقافة في الحكومة الفرنسية، وعمدة الدائرة السابعة بباريس، في يوم غير بعيد، قد ارتدت بذلة عمال النظافة، وخرجت الى جانبهم، جمعت القمامة، رفعت الحاويات، لم توزع جبنا، ولا حلوى، أو شكولاطة. هذا الحدث شكل في اليوم الموالي مادة اعلامية تناقلتها اهم القنوات الإخبارية، وكل من زاوية خطه التحريري. فتوزعت الآراء بين منتقذ يرى أن العملية تندرج في سياق حملة انتخابية سابقة لموعدها في سباق محموم نحو العمودية. وبين مؤيد اعتبر العملية سلوكا حضاريا ورسالة واضحة موجهة لساكنة الدائرة السابعة.
حينها ذاتي لم تجند موقعا لصياغة بيان او بلاغ مرئي، ولم تلجأ لجوقة ديال”التنكافت” لترديد : خير بلا موذن…يتدفن حسن….في استعارة واضحة من المرحوم ولد قدور: صَمْعَة( صومعة)بلا مودن … تْريب حسن. مررت ذاتي رسائلها بأسلوبها، ومضت لحالها تنجز مهامها كوزيرة و كعمدة. استحْضَرت هذا الحدث، واسْتَحْضرت معه بوهالي سطات ومجذوبها،بَخَة رحمه الله، الذي كان دوما يردد مقولته الشهيرة : خْلات…خْلات…بالفعل خْلات.


Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *