أثارت النازلة المرتبطة بغياب رئيس مجلس إدارة نادي الوداد الرياضي، وما رافقها من تداول واسع لأسئلة حول مستقبل الفريق، نقاشاً عمومياً اتسم في الغالب بالتسرع، وبلغ حد طرح فرضية توقّف النادي بمجرد تغييب شخص واحد، وكأن المؤسسة بُنيت على الأفراد لا على القانون والتنظيم. فهل يعقل أن مؤسسة رياضية بحجم الوداد، أو أي شركة بالمغرب، تُختزل في حضور مسؤول واحد مهما بلغت مكانته؟ وهل يمكن فعلاً أن يتوقف نشاط شركة أو نادٍ لمجرد غياب رئيسها أو اعتقاله؟ هذه الأسئلة هي التي دفعت إلى تحليل الإطار القانوني والتنظيمي لمعرفة أين تقف الحقيقة وسط الضوضاء.
القانون المغربي يحسم منذ البداية في هذا الجدل، إذ يعتبر الشركة شخصاً معنوياً مستقلاً لا ينتهي بغياب المسير، ولا يتوقف نشاطه بزوال أحد أعضائه، بل تُضمن استمراريته عبر آليات واضحة. الخبير في قانون الشركات، الأستاذ محمد بن زيدان، يؤكد على “ربط وجود شركة أو نادٍ رياضي بشخص واحد هو من الأخطاء الشائعة؛ فالقانون وضع هيكلة تسييرية متعددة لضمان السير العادي، مهما كانت الظروف”، مضيفاً أن مجلس الإدارة يمتلك صلاحية تعيين عضو من داخله لتولي مهام الرئيس مؤقتاً أو تفويض جزء من الصلاحيات للمسير القانوني أو المدير العام.
من جهته، يرى أستاذ الحكامة الرياضية والخبير القانوني عبد الرحيم لعرج أن الشركات الرياضية تخضع لإطار أكثر صرامة من الشركات التجارية العادية، بحكم أن الجامعة والعصبة تعتبران مراقبين مباشرين للنادي، مما يجعل استمرارية التسيير واجباً وليس خياراً. ويؤكد أن غياب الرئيس لا يمكن أن يعرقل نشاط مؤسسة رياضية، لأن القانون ودفاتر التحملات تفرض وجود بدائل واضحة داخل الهيئات المسيرة، وإلا تدخلت الجهات الوصية لحماية المرفق الرياض.
وفي حالة تعذر التسيير داخلياً، يتيح القانون للمحكمة تعيين متصرف قضائي أو خبير مستقل لقيادة المرحلة مؤقتاً، ضماناً للشفافية واستقرار المرفق. وهو ما يوضحه الأستاذ كمال توفيق، خبير في الاستشارة القانونية للشركات، قائلاً: التعيين القضائي ليس عقوبة بل آلية لحماية المقاولة ومنع الفوضى. القضاء لا يسمح بتعطيل مؤسسة بسبب غياب شخص، لأن قاعدة الاستمرارية مقدسة.
بالعودة إلى حالة الوداد الرياضي كنموذج، يتضح أن الإشكال ليس قانونياً بقدر ما هو نفسي واتصالي. فالفراغ الذي تركه غياب الرئيس السابق فتح الباب أمام تأويلات وقراءات مبنية على العاطفة والانطباعات، لا على النصوص. الوداد اليوم ليس مجرد فريق؛ إنه شركة رياضية لها نظام أساسي، مجلس إدارة، جهاز إداري، مدير تقني، وهيئات مراقبة. كل هؤلاء يضمنون استمرارية العمل. ومن غير المنطقي تصور توقف مؤسسة بهذا الحجم لأنها فقدت أحد مكوناتها.
يبدو أيضاً أن جزءاً من الرأي العام يخلط بين رمزية الأشخاص وهيكلة المؤسسات. فالرئيس قد يكون شخصية قوية ومؤثرة، لكن قوة المؤسسة تكمن في استمرارها دون ارتباط مصيري بأي فرد. وهذا جوهر الحكامة الحديثة التي تعتمد على المؤسسة لا الشخص، وعلى القانون لا المزاج.
من زاوية تحليلية، ما وقع يشير إلى ضعف الثقافة القانونية داخل الوسط الرياضي، وإلى الحاجة الماسة لتعزيز التواصل داخل الأندية لطمأنة الجمهور والمتعاقدين واللاعبين. كما يكشف عن ضرورة تطوير آليات الخطة البديلة داخل المؤسسات الرياضية حتى لا تتحول كل أزمة شخصية إلى أزمة وجودية.
وانطلاقاً من هذه القراءة، يبدو أن الحلول الأكثر واقعية وفعالية تتمثل في: تفعيل عمل مجلس الإدارة بشكل مؤسساتي يضمن تفويض الصلاحيات تلقائياً في حالات الطوارئ؛ رفع مستوى التواصل الداخلي والخارجي عبر بلاغات رسمية منتظمة تشرح للرأي العام الوضعية القانونية دون ترك فجوات تفتح الباب للإشاعات؛ تعزيز التكوين القانوني للمسيرين الرياضيين حتى يكونوا مؤهلين لمواجهة الأزمات؛ وإعادة قراءة الأنظمة الأساسية للأندية لضمان الانسجام مع القانون رقم 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة.
خلاصة ، ما وقع يؤكد أن قوة الوداد، كما قوة أي مؤسسة، لا تُقاس بحضور رئيسها فقط، بل بصلابة بنيتها التنظيمية واحترامها للقانون وقدرتها على الاستمرار وسط الأزمات. وبدل التساؤل هل تتوقف المؤسسة؟ الأجدر أن يكون السؤال: كيف نضمن ألا يرتبط مصير مؤسسة رياضية بأشخاص، بل تُبنى على قواعد الحكامة والمسؤولية والاستمرارية؟ هذا هو النقاش الحقيقي الذي يستحق أن يُفتح اليوم.