لم يكن مجرد مزور وثائق بين بطائق تعريف ورخص سياقة مزيفة، شهادات وفاة مفتعلة، زيجات وهمية، ووعود بإخراج المعتقلين من السجون، يبدو أن الموقوف الذي سقط في قبضة الأمن مؤخرا ببوسكورة كان يلعب أدوارا متعددة: الزوج، الوسيط، المزور، وربما ما هو أخطر من ذلك.
حسب معطيات دقيقة، لم تقتصر أنشطته على التزوير الكلاسيكي، بل امتدت لتشمل استغلال علاقاته المزعومة داخل بعض الإدارات، وابتزاز الأسر مستغلا حاجتهم للعدل، مقابل وعود زائفة مبنية على وثائق مزورة، وإيحاءات بتدخلات لا أساس لها من الصحة.
واحدة من أبرز الشهادات التي توصلنا بها تفيد أن شقيقة زوجته توجهت نحو سيدة في الحي، قائلة لها:
راجل أختي يقدر يخرج ليك ولدك من الحبس، راه عندو مع البوليس عطيني 6 المليون ويدير ليك الحل”
الأم، مدفوعة بالخوف على ابنها، سلمت المبلغ، ليقوم المشتبه به بتزوير وثائق مكنت السيدة من مغادرة التراب الوطني.
لكن السؤال: كيف استطاع تمرير وثائق مزورة من المطارات؟
هل هناك من سهل المهمة من داخل بعض الإدارات؟
أم أن تقنيات التزوير أصبحت متقنة لدرجة تمرّ أمام أعين الموظفين دون أن تكشف؟
التحقيقات الأمنية كشفت أن عقد زواجه كان مزورا. الزوجة كانت تجهل ذلك، رغم علمها بوجود أمور غامضة في حياة شريكها، لكنها كانت تظنه يعمل “كمخبر أمني” كما صرح لها سابقاً.
لكن الأكثر إثارة، أن المشتبه فيه، عند توقيفه، أنكر أنه متزوج بها قائلاً:
“انا وياها مامزوجينش”
هذا التصريح صدم المحققين، خاصة بعد أن قدمت والدة الزوجة صورا تؤكد علاقة الزواج
هل كان الإنكار بهدف التملص من تهمة التزوير في الزواج؟
أم أنه أراد عزلها عن القضية حفاظا عليها؟
أم أن الرجل لم يكن يرى في تلك العلاقة سوى وسيلة لتنفيذ خططه؟
الشرطة أوقفت المعني بالأمر بعد ورود معلومة دقيقة من شخص كان على علاقة به في السابق، أكد أنه رآه يتردد بانتظام على ضواحي بوسكورة. هذه المعلومة سمحت بترصد تحركاته، ونصب كمين محكم انتهى بإيقافه رفقة زوجته.
هل كان هذا الصديق ضحية من قبل؟
أم أنه تائب قرر فضح اللعبة؟
وماذا عن علاقة الثقة التي عاد وبناها معه المشتبه به رغم ماضيه؟
خلال التفتيش تم حجز:
76 ختماً مزوراً
بطائق هوية، رخص، وإقامات أوروبية مزيفة
دفاتير شيكات و15 بطاقة بنكية بأسماء مختلفة
حاسوب وطابعة وأجهزة رقمية
مستندات طبية، وشهادات من جماعات محلية
المواد تشير إلى نشاط يمتد لعدة مؤسسات: مقاطعات، مستشفيات، بنوك.
فكيف حصل على كل هذه الوثائق؟
وهل كانت هناك يد خفية تسهل له الطريق في بعض الإدارات؟
الرجل كان مبحوثاً عنه بموجب ثلاث مذكرات وطنية
قضايا تزوير، وانتحال هوية، وسرقة، وترويج مخدرات.
رغم ذلك، استطاع التنقل والعمل لسنوات.
هل كان يُغيّر هويته باستمرار؟
هل استفاد من ثغرات في منظومة التنقيط؟
أم أنه كان يعرف كيف “يتفادى الضوء”؟
ما يثير التساؤل فعلاً هو: كيف استطاع الاستمرار طويلاً في ظل كل هذه المتابعات؟
ضمن المحجوزات، عثر على ملفات انتخابية، مستندات من مقاطعات، وتصاريح طبية رسمية.
بعض الوثائق تحمل أسماء شخصيات مختلفة.
الفرضيات كثيرة:
هل كان يهيئ شخصيات مزيفة للتصويت؟
أم أنه كان يزور الشهادات الطبية لأغراض مشبوهة؟
أو ربما كان وسيطا لتزويج أجانب بمغربيات من أجل التسهيل الإداري؟
المشتبه فيه كان على وشك الزواج بفتاة قادمة من السعودية، هي الأخرى لم تكن تعلم أنه يستخدم هويات مزورة
تكرار الزيجات المريبة يفتح باب تساؤلات أكبر:
هل كان يستغل النساء كواجهة لتبرير بعض الوثائق؟
أم أنه كان يتاجر في عقود الزواج لأغراض تهجير أو ابتزاز؟
كل الدلائل تشير إلى أن الأمر أكبر من مزور عادي تنقلاته، مضبوطاته، قدرته على استخراج وثائق حساسة، وخرقه للحواجز الإدارية والأمنية، توحي بأن هناك أطرافا قد تكون سهلت له مهمته، إما بسبب ثغرات أو لربما بوجود تواطؤ محدود داخل بعض المؤسسات.
لكن المؤكد أن تدخل عناصر الشرطة القضائية ووضعه رهن الحراسة النظرية، أعاد الأمور إلى مسارها الطبيعي، في انتظار أن يكشف التحقيق القضائي تفاصيل باقي المتورطين، إن وجدوا.