آخر الأخبار

أضف النص الخاص بالعنوان هنا

الدار البيضاء… المدينة التي تُطفأ أضواؤها بصمت

الدار البيضاء… المدينة التي تُطفأ أضواؤها بصمت

عبد اللطيف سرحان - الجديدة

المهدي الزوات، محام بهيئة الدار البيضاء، فاعل مدني بيضاوي

ليست الدار البيضاء مجرد مدينة. إنها الحكاية التي اختزلت تحولات المغرب الحديث، من زمن البدايات إلى زمن الطموحات الكبرى. كانت ولا تزال مختبراً حضرياً لتقاطع الطبقات، وتفاعل الثقافات، وتراكم الأحلام.
لكن شيئاً ما تغيّر. شيئاً يُفقد المدينة بريقها، يُطفئ معالمها، ويُقصيها بصمت من الخريطة الرمزية للمغرب.

لقد عرفت العاصمة الاقتصادية للمملكة، في السنوات الأخيرة، تراجعات مقلقة في مستوى إشعاعها الثقافي والرياضي والحضاري. تراجعات لا تقتصر على غياب فعاليات موسمية، بل تطال اليوم العمق الرمزي لهوية المدينة، وتهدد موقعها كمركز جذب وواجهة للمغرب العصري.

من ترحيل جائزة الحسن الثاني الكبرى للتنس إلى مراكش، إلى إلغاء مهرجان الدار البيضاء، وغياب معرض الكتاب الدولي الذي انتقل إلى الرباط، تُسجل البيضاء تراجعاً في استقبال الأحداث الكبرى التي كانت تُزين شوارعها وتبث الحياة في تفاصيلها. هذه التظاهرات لم تكن مجرد مناسبات، بل كانت تصنع نبضاً حضارياً يُعطي للدار البيضاء معناها، ويجعلها مدينة حية، لا مجرد مساحة عمرانية مترامية الأطراف.

غياب رؤية أم غياب إرادة؟

ما يثير القلق أكثر، هو أن هذا التراجع لا يبدو ظرفياً، بل يُعطي الانطباع بأنه جزء من توجه طويل الأمد، تُقصى فيه الدار البيضاء من مراكز القرار الثقافي والرياضي. وهنا يطفو سؤال محوري:
هل هو غياب كفاءة لدى المجالس المنتخبة المحلية في الدفاع عن دور المدينة ومكانتها؟
أم أن هناك توجهاً مركزياً لإعادة توزيع الأضواء، ولو على حساب البيضاويين؟
أم أن الأمر يتعلق بسوء تدبير ثقافي، لا يعترف بأن المدن الكبرى تحتاج، قبل كل شيء، إلى روح؟

بصراحة، نكاد لا نلمس حضوراً فعلياً للمجالس المنتخبة في هذا النقاش. نادراً ما نسمع صراخاً سياسياً دفاعاً عن هوية الدار البيضاء، وكأن المسألة لا تعني أحداً، أو كأن أهل القرار المحلي يكتفون بتدبير اليومي بدل صياغة مشروع يليق بمدينة بهذا الحجم والتاريخ.

الهدم بدل الترميم… والفراغ بدل المبادرة

لنأخذ مثال قاعة CMC، التي كانت واحدة من أبرز فضاءات الرياضة القاعدية في المدينة، وتحولت إلى ركام وسط صمت رسمي مريب.
أو قاعة الوداد لكرة السلة التي هُدمت بدورها، دون تقديم أي بديل أو مشروع تأهيلي.
أو المركب الرياضي الأمل الذي ظل لسنوات طويلة مهمشاً ومغلقاً أمام التظاهرات التي صنعت منه، في وقت سابق، معلمة رياضية وحضارية.


أما المسرح الكبير للدار البيضاء، ذلك المشروع الطموح الذي حُلِم به منذ أكثر من عشر سنوات، لتعويض غصة هدم المسرح البلدي التاريخي، فلا يزال ينتظر موعد الافتتاح، في مفارقة تدعو للسخرية حين نعلم أن أشغاله التقنية انتهت منذ مدة، وتكلف صيانتها ميزانية المدينة ملايين الدراهم، لكنّه لا يزال معلقاً.

في المقابل، تكتفي المدينة ببعض “الأنشطة الظرفية”، أو السهرات التجارية التي لا تترك أثراً ولا تصنع ذاكرة. وهو ما يطرح بجدية مسألة تفريغ الفضاء العمومي من مضمونه الثقافي والاجتماعي، في سياق يبدو فيه أن الدار البيضاء تُدفع نحو الصمت، لا نحو التعبير، ونحو الاستهلاك، لا نحو الإنتاج.

البُعد السوسيولوجي: حين يُهمل الفضاء العام، تُهمل المدينة

في علم الاجتماع الحضري، لا يمكن فصل هوية المدينة عن الفضاءات التي تُنتج فيها الحياة اليومية، سواء كانت ثقافية، رياضية، أو حتى مجرد ساحات للتلاقي. فحين يُهمل المسرح، وتُغلق القاعات، وتُهدم البنيات، فإننا لا نهدم جدراناً فقط، بل نُضعف الذاكرة الجماعية، ونقضي على نسيج رمزي يُنتج الانتماء ويُغذي الإبداع.

لقد كانت الدار البيضاء، رغم كل تناقضاتها، فضاء للتعبير، ومركزاً للتعدد، ومجالاً مفتوحاً للتفاعل الحضاري. أما اليوم، فهي تُقزَّم في بعدها الثقافي، وتُحوَّل إلى مجرد مجال عقاري ضخم، يُنتج الإسمنت أكثر مما يُنتج الأفكار.

نحو أي نموذج نريد أن نذهب؟

المشكلة لا تكمن فقط في غياب هذه الفعالية أو تلك، بل في غياب المشروع. فمدينة بهذا الحجم، لا يمكن أن تدار من خلال ترقيع سنوي، أو انتظار ما ستقرره السلطات العمومية المركزية.
هي بحاجة إلى مشروع ثقافي ورياضي متكامل، يُعطي الأولوية للبنية التحتية، ولكن أيضاً للمحتوى، وللبرمجة، ولصناعة الجمهور.

الدار البيضاء اليوم في حاجة إلى سياسيين مثقفين، يدركون أن المدينة لا تُبنى بالإسمنت فقط، بل بالهوية. بحاجة إلى نخب محلية ترفع الصوت، وتُطالب بحق المدينة في أن تكون حاضرة في المشهد الثقافي والرياضي الوطني والدولي.

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *