في الأصل، لم تكن الصحافة مجرد مهنة. كانت التزاماً أخلاقياً، نبضاً لقلب المجتمع، وضميراً حياً يكتب ويفكك الوقائع . كانت نافذة مفتوحة على الحقيقة، لا مرآة مائلة تعكس هوى من يدفع أكثر او من يفرقش اكثر في القطاع ككل . لكن ما نراه اليوم، لا يمت بصلة إلى تلك الرسالة النبيلة التي وُلدت من رحم الحرية.
تحولت الصحافة إلى بضاعة رخيصة في مزاد المصالح، يتناوب “الفراقشية” على اقتسام ما تبقى من جثتها، يقتاتون من رفاتها كما تقتات الغربان من حواف المقابر. لم تعد رسالة، بل صفقة، ولم تعد سلطة رابعة، بل ذراعاً دعويا يمتح من معين فتات ناهبي المال العام تحت عفن المواءد وفوقها .
وأخطر ما يُهدد الصحافة اليوم ليس الرقابة التقليدية، ولا حتى التضييق المباشر، بل هذا القمع المموّه المتخفي في ثوب “الشرف المهني” و”الحكامة” و”الحكمة” واليات بعناوين كبرى وممثلين زادهم ما سمعوه عن الشعراء الصعاليك والمؤلفين والمفكرين الذين اغتاض بعضهم قي لحده رفضا لاستعماله من طرف الجنرالات الجثث . ادعاءات لا تستر شيئاً، بل تكشف احتيالاً منظّماً يُمارسه صغار النفوس، ممن يتسترون خلف الشعارات لنهب المهنة من الداخل.
باتت الصحافة مثل رضيع تتاجر به عصابات التسوّل المنظمة ، تُقدّمه للناس بعيون دامعة لاستدرار الدعم، لا العطف فقط. وكلما ازداد الضعف، زادت التبريرات، وتضخّمت خطابات “الاحتراف” و الاستغلالية عفوا “الاستقلالية”، بينما الحقيقة عارية ومركونة في الزاوية.
المدهش ـ والمبكِي في آن ـ أن بعض المنتفعين يتقمّصون دور الجلاد، يوزّعون صكوك الغفران والموت المهني، ويتباهون بأنهم “منفّذو الإعدامات” لمن لا ينحني لهم. يتحدثون عن “الهيبة” و”المرجعية”، وكأنهم فوق المساءلة. فوق الشبهات والمفجع حقا ان هؤلاء المدعون لا اثر لهم ولهن في،الانتاج المهني الصرف و لو قصاصة في ركن قصي ، بينما لا يمتلكون من هذه المفاهيم سوى رنينها الأجوف.
في زمن الادعاء، ضاع التواضع. تلك السمة النادرة التي كانت عنوان الصحفي الحقيقي: من يستمع قبل أن يكتب، ويتقصى قبل أن يعلّق، ويتورّع قبل أن يتّهم. سقط التواضع، فسقطت معه المهنة.
ما نعيشه اليوم ليس فقط انهيار مؤسسة، بل احتضار ضمير. وحين يُدفن الضمير، لا تعود الصحافة صحافة، بل مجرد حروف مرصوصة بلا روح.
بعض،التفاصيل المخجلة تاتي تباعا ..يتبع