رحل عبد الحق المبشور، الإنسان الذي حمل في قلبه حب الناس وهمومهم. رغم ما عاشه من تعب وألم، ظل يحمل في نفسه قوة وعزيمة، وكان دائمًا الطمأنينة لمن حوله. عُرف بلقب “لحنين مرضي الوالدين”، إذ كان دائمًا يُظهر الاحترام والحب في كل تعاملاته، ما جعله نموذجًا للإنسان الصادق والمحترم.
في آخر لقاء جمعني به، كان قد مر بفترة صعبة من التعب، ولكن بروحٍ قوية، كان يطمئن الجميع أنه بخير، وأنه سيعود قريبًا إلى حياته الطبيعية. وكان ذلك في عز تعبنا الجماعي، عندما التقينا معًا في العشاء الأخير قبل أسابيع من رحيله المفاجئ. كنا أنا، وأصدقاؤه الأعزاء، أحمد بريجة والدكتور علي الذهبي، نشارك في تلك الأمسية الذكريات والآمال التي كانت تملأ المكان. كان الحديث يدور حول المستقبل، والحياة، والأحلام التي كانت تلوح أمامنا، وكأننا نعيش لحظة فريدة من الزمن، حيث كانت ذكرياتنا تتشابك مع آمالنا في مستقبل مشرق.
وبينما كنا نتبادل الضحكات والكلمات، كان عبد الحق يبث فينا راحة وطمأنينة، رغم ما كان يشعر به من تعب. بدا وكأنه يعلم أن تلك ستكون آخر لحظاتنا معًا على هذا النحو، لكن لم يكن أحد منا يتخيل أن رحيله سيكون قريبًا إلى هذا الحد.
كانت تلك الليلة أشبه بمغلفة بالأحلام والتمنيات، وكأننا نعيش لحظة من الزمن التي يصعب العودة إليها. عبد الحق، الذي كان دائمًا محاربًا للظروف الصعبة، رحل بعد وقت قصير، تاركًا فينا تلك الذكريات التي لن تمحى أبدًا. وها نحن نودعه اليوم، ونحن نعلم أن طيبته وروحه الطاهرة ستظل حية في قلوبنا.
لقد ظل عبد الحق المبشور معروفًا بلقب “لحنين مرضي الوالدين”، وذلك تقديرًا لحسن معاملته واهتمامه بالعلاقات الإنسانية. كان دائمًا يحرص على تربية الأجيال على قيم الاحترام والمحبة، ويعمل على تعزيز التفاهم بين الأفراد. لا عجب أن هذا اللقب أصبح جزءًا من شخصيته، حيث كان يعرفه الجميع كرجل وفِيّ لوالديه وأسرته، وهو الذي كان يعبر عن هذه القيم بكل فخر في مواقفه وأفعاله.
في وداعه، اختلطت الدموع في عيون الجميع. بكاء النساء اللواتي عرفنه عن قرب، اللواتي كنّ يجدن فيه الدعم والراحة في أصعب اللحظات. بكاء الأطفال الذين ترعرعوا على مبادئه، وشعروا به كأبٍ حاني في عالمهم الصغير. بكاء الشيوخ الذين رافقوه في سنواته الأخيرة، وشهدوا كيف كان يقاوم الحياة من أجل الآخرين، رغم قسوتها.
رحيل عبد الحق ترك فراغًا عميقًا في قلوبهم، وكان وداعه ليس مجرد لحظة من الحزن، بل كان تعبيرًا عن محبة عميقة وتقديرٍ لشخصه. النساء، الأطفال، والشيوخ، جميعهم بكوا بحرقة لأنهم فقدوا إنسانًا لا يمكن أن يعوض، إنسانًا كان دائمًا يقف إلى جانبهم، ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ويمد يد العون لهم بكل إخلاص.
رحل عبد الحق المبشور، لكن قلبه سيظل حيًا في ذاكرة كل من ناضل من أجلهم، وستبقى الدار البيضاء مدينة تفتخر بما قدمه لها هذا الرجل. وإرثه في دعم الفن والإبداع سيبقى مصدر إلهام للمبدعين ولعشاق الفن السينمائي. رغم غيابه، ستظل سينما عبد الحق المبشور حيّة، إذ أن الأفكار التي زرعها في قلوب محبيه ستظل تنتج إبداعًا جديدًا، وستظل حاضرة في كل عمل فني ينبض بالروح التي طالما ناضل من أجلها.
رحمك الله يا عبد الحق، وجعل مثواك الجنة. ستظل في ذاكرة الجميع، وستظل ذكريات تلك الأمسية الأخيرة ترفرف في قلوبنا كأنها لحظة حية، دائمًا متجددة.