الملاحظة الأولية هي أن السلطة الوصية وممثليها الفرعيين احترمت الحياد واكتفت بدور المتفرج على مسرحية الدراما السياسية مقامة بسوق النخاسة. أصوات الناخبين كانت معروضة للبيع “بالعلالي” من طرف من سماهم مدير موقع معروف بـ”عصابة الشناقة” وأشار إليهم بالرمز والاسم.
الحياد السلبي للسلطة الوصية ومعها سلطة القضاء المتابعة للعملية الإنتخابية والنيابة العامة لا يخدم مفهوم الديمقراطية الذي يتغنى به الجميع، بعدما تخلت عنه عمليا الاحزاب السياسية، ولنا في الإقليم خير مثال.
فحسب البحث الاستقصائى الذي قام به مدير موقع إخباري شهير ومخرجات اللقاءات المنظمة من طرف “بلانكاتيفي” في الموضوع، فإن حزب الشهداء المهدي بن بركة وعمر بن جلون وعبد الرحيم بوعبيد ونوبير الأموي ومسعود ابوزيد كان بطل عملية خبيثة نسج خيوطها عضو المكتب السياسي ورفيقه في الحزب، تحت إشراف الكاتب الوطني إدريس لشكر، الذي عايش بعض فصول مسرحية تم فيها اغتيال ما تبقى من الديمقراطية والقيم في الاتحاد الاشتراكي.
ولم تكن الحالة السياسية للاحزاب الأخرى أوفر حظا من الإتحاد الإشتراكي، فقد عانى كذلك مرشح الاغلبية الحكومية من سوء التنسيق ومن سوء تدبير الأزمة الاقتصادية وغلاء المعيشة التي فتكت بالقدرة الشرائية لساكنة القرى المغربية.
طبعا، وكما كان منتظرا، فنسبة المشاركة كانت شبه منعدمة إلا من جيوب فساد تجندت تحت ضغط تحفيزات مادية (دائرة انتخابية بالعونات كمثال). فحسب مايروج، تم التصويت مقابل شراء تجهيزات للاحتفال وكذا النفخ في محاضر عملية من إنتاج بارون متهم بتلويث منتوج آخر، سيتم الرجوع إليها بالتفصيل بعد التوصل بالمعلومات الدقيقة.
هدا الإضراب عن المشاركة أو العزوف يؤكد غضب المواطن على الجناح المتحكم في أغلب المؤسسات المنتخبة في الإقليم. وهذه الطبقة التي تدعي السيطرة المطلقة على الإقليم تلقت ضربة قاضية لا أظن أنها ستتشافى منها قريبا، ذلك أن الكل فطن للعبة المحبوكة وعلم أن ترشيح مصطفى بطاش، المناضل الوردي، كان شكليا لتنفيذ خطة محبوكة لفائدة مرشح الميزان قبل الانقلاب الأبيض عليه.
هده الصفقة / المؤامرة التي ندد بها صراحة صحفي الحمامة مشكورا ( وشهد شاهد من أهلها)، والذي أعطى أرقاما ووقائع دقيقة في إطار حلقتين خاصتين باستقصاء الحقيقة، حيث أشار إلى صفقة واضحة المعالم لا علاقة لها بالانتماءات السياسية أو البرامج الإنتخابية، وذلك ان مالكي “الأصل التجاري” ادخلوا العملية الديمقراطية إلى سوق النخاسة والمساومة وأصبحت الغلبة لمن يدفع اكثر.
هذه الوضعية المزرية تذكرنا بتساؤل الباحث بوشتى طاهر والفاعل الجمعوي محمد بلعيدي، اللذان ساهما في تحليل حلقات برنامج “برامج إنتخابية” المتعلق بالانتخابات الجزئية بسيدي بنور: “هل أكتر من الـ30 ألف صوت المحصل عليها في الانتخابات السابقة من طرف حزب الإتحاد الإشتراكي سيكون لها وزن لفائدة المرشح الاتحادي؟”
“الزغبي” الذي تمت التضحية به لم يحصل الا على 5،5% من هذه الأصوات الوردية وتبخر الباقي في مستودع المتلاشيات السياسية حيث تفرق دمه بين المرشحين المنافسين والعازفين (من العزوف طبعا) والمقاطعين الغاضبين.
حسب بعض المتابعين، فإن الاستنتاج الأخطر من النتائج الانتخابية الأخيرة هو سيف ذو حدين: هل رفض التصويت رد فعل ضد الصفقة المعلومة؟ وهذا مثال للمواطنة الواعية، ام أن عدم التصويت او العزوف مبرر بعدم التوصل بالمقابل المادي مباشرة، أي أن المواطن شب على لعبة بيع الصوت وشاب عليها
وهذا تصرف سيؤدي بنا الى الهاوية لا محالة و”يودينا في داهية” كما يقول المصريون.
ولتجسيد هذا الواقع المر، إليكم مثالا من جماعة مجاورة للزمامرة، حيث استعان رئيسها بعضو امتهن حرفة الحلف المتردد، حيث كلما التقى الرئيس بمواطن ليطلب منه التصويت على مرشح ما يسبقه المرافق بالحلف باغلظ الإيمان أن الرئيس لم يأخد ولو سنتيما واحدا. طبعا لم يأخد سنتيما بل توصل بحصة مالية هامة لم يفي بمقابلها وهو الذي وعد والتزم بعدد من الأصوات، لم يحصل إلا على 6% منها كمصوتين ولا شك أن العدد المصوت على المرشح المساند اقل بكتير.
مالعمل؟
حالة البؤس السياسي هذه تتطلب من ذوي المسؤولية السياسية في الإقليم استفسار المسؤولين عن هذه الورطة التي ضربت جميع المكونات الحزبية خصوصا حزب الوردة الذابلة.
طبعا سيخرجون علينا بتفسيرات واهية معولين على ثقافة النسيان قبل ان ترجع دار لقمان إلى حالها وتعود حليمة إلى عادتها القديمة.
انه الامتحان الاكبر لحزب الاتحاد الاشتراكي وللقلة الجيدة من مناضلين آمنوا بامكانية إرجاع الهيبة المفقودة لحزب لعب دورا هاما في تاريخ الحركة الوطنية.
إن عدم المساءلة سيكون بمثابة انتحار للروح الوطنية والديمقراطية في الإقليم
وختاما، هنيئا للبرلماني الناجح المنتمي على الأقل رمزيا إلى المعارضة الحكومية، اي نفس الموقع لحزب الوردة الذي قاومه، استفاد البرلماني عبد الكريم أمين كتيرا من أخطاء منافس سيطر عليه هاجس الربح بدون حملة إنتخابية،
حيث ينتظر الرأي العام الوطني والاقليمي من المرشح الفائز بالمقعد ومعه المرشح الضحية من حزب الأغلبية الحكومية والمرشح المغرر به من حزب عبد الرحيم بوعبيد، ان يكشفوا عن ما يعرفونه من أسرار كتيرة تنويرا للرأي العام وإرضاء لضمائرهم المعذبة.
على كل حال، ليس لليل اسرار لان الحقيقة لا تتحمل النسيان أو الصمت…