الرواية التي صدرت مؤخرا باللغة الفرنسية عن دار بصمة ، أكتوبر2025 عبارة عن رواية ايكولوجية (بيئية) حسب الغلاف وتمتد كشجرة زيتون متجذرة في أرض الريف، جذورها تضرب عميقاً في الذاكرة، وفروعها تمتد لتحتضن الريف بأكمله وكذلك طنجة، كتامة، مليلية وألمانيا. إنها حكاية عائلة أزوار على مدار مائة عام
بين طيات الذاكرة وحكايات الماء، تنسج ثريا وقاص خيوط ملحمتها بنسيج أدبي رفيع، تزينه خيوط من الشعر الريفي الأصيل (إيزران)، لترسم لوحة أدبية يصبح فيها الماء شاهداً أميناً على جراح الماضي وحاملاً لأمل المستقبل.
عين “ثارا”: حيث تبدأ الحكاية
من ينبوع “ثارا” تتدفق الحياة، ومن حوله تدور أحلام العائلة وأفراحها. إنه ليس مجرد مصدر ماء، بل هو رمز للكرامة والهوية والاستمرارية. يحرسه الأب موحند بحب أبوي وتحرسه الأم يامنة برقتها وجمالها، كما لو كانا يحرسان روح الأرض النابضة. لكن رياح التغير تهدد هذا الصفاء، معركة أنوال الخالدة، ثم الحرب مع الإسبان والفرنسيين تمزق نسيج الحياة، وتليها مجاعة قاسية تكسر ظهر الأمل.
في هذه اللحظات الصعبة، تظهر معادن البشر. فاطمة، ابنة موحند، تتحمل عبء الانتظار والمنفى بصبر الأبطال وتمشي على خطى الأسلاف والجدة الحاجة زهرة، روح الريف وحكمته وذاكرته، ادريس زوجها يهاجر إلى طنجة بحثا عن الرزق، وأخوها الأكبر كريم يفقد ساقه في الحرب ثم يختفي في زمن المجاعة. أما جمال، الأخ الأصغر، فيحاول إعادة البناء لكنه يسقط في فخ التسيّب البيئي.
الكيف:عندما يتحول الماء إلى سم
يبنى جمال خزاناً للماء، لكنه أمام تهديد الفقر والحاجة، يسمح بزراعة الكيف باستخدام المبيدات، فيتحول مصدر الحياة إلى ناقلة للسموم. هنا ينقسم ابناه: سعيد الذي يصبح “أمير” تجارة المخدرات، ويوسف الذي يختار طريق المقاومة البيئية. إنه صراع بين قيم الماضي ورغبات الحاضر، بين الحفاظ على التراث والانجراف وراء الربح السريع.
الطوفان: التطهير والانبعاث
تأتي النهاية المأساوية لجمال بطوفان يغمر القرية، يحمل معه كل السموم ويدمر كل شيء. لكن في قلب الدمار، يجد ابنه يوسف دفتر عمه كريم الأول الذي يحوي خرائط الينابيع، ليصبح هذا الدفتر جسراً بين الماضي والمستقبل.
الجزء الثاني: عودة الحفيدة واللقاء عند المنبع
بعد سنوات، تعود نادية، حفيدة فاطمة إلى جذورها وهي التي تربت في طنجة على حكايات جدتها عن العين والريف. إنها طالبة تنجز بحثا عن الينابيع في الريف. تلتقي بقريبها كريم الصغير (ابن يوسف)، وبتوجيه من دفتر الخال/العم القديم يجدان ثارا. فيجمع بينهما حب الأرض والماء وحب القلب أيضا الذي يعيد ربط فرعي العائلة المنفصلين، فرع فاطمة في طنجة وفرع جمال في الريف. يتزوجان ويعيدان إحياء العين كمشروع مجتمعي، محققين حلم الأجداد.
اكتشاف مليلية: عندما تروي الذاكرة عطش المنفى
يكتشف أحفاد العائلة أن كريم الأول، الذي اختفى أيام المجاعة، له أبناء في مليلية. هم أيضا حافظوا على حلم العين، فبنوا ينبوع ماء عام في حيهم، ليصبح مكانا للقاء والكرامة، تماما كما كانت عين ثارا الأصلية.
ألمانيا: الهجرة والغفران
عائشة ابنة فاطمة التي زوجوها بكيس قمح خلال المجاعة تعيش مع أسرتها في ألمانيا وقد غفرت لأبويها ذلك التزويج القسري تحت ظروف المجاعة القاسية.
الخاتمة: الماء يروي حكايته
تنتهي الرواية برسالة شاعرية على لسان “الماء” نفسه، الذي يعلن أنه الذاكرة السائلة للعائلة والأرض.. وأنه الرابط بين كل الشخصيات والأجيال والأماكن. وأنه الغفران والاستمرارية. وأنه طالما تتناقل الأجيال قصصه وتحافظ عليه، ستستمر الذاكرة والحياة.
رسائل الرواية الخالدة
من خلال هذه الملحمة الإنسانية، تقدم لنا ثريا وقاص رؤية عميقة للوجود:
الذاكرة ليست تراثا نحمله، بل هي هوية نعيشها.
الصراع بين التقاليد والحداثة يمكن أن يجد حله في حكمة الماضي ورؤية المستقبل.
البيئة ليست مجرد موارد نستغلها، بل هي جزء من كينونتنا.
المنفى لا يعني القطيعة، فالجذور تظل حية في القلب.
الحب يمكن أن يعيد بناء ما دمرته الصراعات.
“الماء العكر” ليست مجرد رواية، بل هي نهر من المشاعر والأفكار، تحملنا في رحلة عبر الزمن والمكان، لتذكرنا بأن الحياة، مثل الماء، تظل تتجدد رغم كل العوائق، وأن الأمل، مثل الينابيع، يظل ينبض تحت الأنقاض، منتظرا من يكتشفه من جديد.