في مدينة برشيد، حيث يضج المركز الحضري بالحركة اليومية والتوسع العمراني، يغيب وجه آخر للحياة: وجه الثقافة والفن والترفيه.
مدينة تجاوز عدد سكانها عتبة 150 ألف نسمة، ولا تتوفر على دار سينما، ومسرح، وفضاء عمومي مؤهل لاحتضان الشباب وتنمية ذوقهم الفني والجمالي. هذا الغياب الممنهج ليس سوى صورة صارخة لإقصاء الحق في الثقافة، وتهميش متواصل لمطلب أساسي من مطالب التنمية البشرية.
رغم الطابع الشبابي للمدينة، تعيش برشيد فراغا ثقافيا خانقا.
لا أثر لدور السينما، ولا وجود لمسرح يليق بالطاقات المحلية. أما المراكز الثقافية، فإما مغلقة أو غير مهيأة لتنظيم أنشطة تواكب تطلعات شباب المدينة. أمام هذا الفراغ، لم يبق أمام الجيل الصاعد سوى اللجوء إلى المقاهي، التي تحولت إلى الملاذ الوحيد للترويح عن النفس… ولكن بأي ثمن؟
يقول هشام، 24 سنة، طالب جامعي:
“أشعر وكأنني أعيش في مدينة بلا روح. لا سينما، لا مسرح، لا أنشطة، فقط مقاه تعج بدخان السجائر. كيف يمكننا الحديث عن تنمية فكرية أو تفجير للطاقات؟ نلجأ إلى الإنترنت بحثا عن بدائل، لكن ذلك لا يعوض اللقاءات الحقيقية والتجارب الثقافية الحية.”
غياب الفضاءات الثقافية لا يقتصر فقط على السينما والمسرح، بل يشمل أيضا المنتزهات والحدائق العمومية، التي تكاد تنعدم أو تفتقر لأبسط شروط الجودة. فكيف يمكن لشاب يعيش وسط هذا الفراغ أن يبدع، أو يفكر، أو حتى يحلم؟

وتضيف مريم، 21 سنة، خريجة معهد الفنون التشكيلية:
“كنت أحلم بتنظيم ورشات فنية للأطفال، لكنني اصطدمت بواقع محبط. لا قاعات، لا دعم، ولا اهتمام. أصبحت فكرة مغادرة المدينة نحو الرباط أو الدار البيضاء الخيار الوحيد أمام أي فنان أو مثقف يبحث عن فرصة حقيقية.”
ورغم بعض المبادرات الفردية الخجولة من جمعيات ومدارس لتنظيم أنشطة فنية متواضعة، فإنها تظل معزولة وغير قادرة على تعويض غياب رؤية ثقافية متكاملة ومؤسسات رسمية تدعم الفن والإبداع. صوت المطالبة باتخاذ إجراءات ملموسة أصبح أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
في برشيد، ما زال الترفيه يعتبر ترفا نخبويا، والثقافة حلما مؤجلا. أجيال تنشأ في فراغ قيمي وجمالي، بينما المجالس المنتخبة تدير ظهرها لهذا الورش الحيوي، وتفتح صدرها للمشاريع الإسمنتية التي تملأ المكان دون أن تغني الروح. فهل ستستفيق الجهات المسؤولة مكانتها؟ أم سيبقى المشهد الثقافي في برشيد أسير الإهمال، يراوح مكانه بصمت؟