آخر الأخبار

أضف النص الخاص بالعنوان هنا

إلزامية التأمين البنكي على القروض: بين مشروعية حماية المقترض وضمان حقوق المؤسسة البنكية

إلزامية التأمين البنكي على القروض: بين مشروعية حماية المقترض وضمان حقوق المؤسسة البنكية

عبد اللطيف سرحان - الجديدة

الأستاذة مليكة حفيظ قاضية سابقا ودكتورة في الحقوق

أضحى التأمين المرتبط بالقروض، سواء العقارية أو الاستهلاكية، ممارسة شائعة في المعاملات البنكية بالمغرب، بل يكاد يتحول في الواقع العملي إلى شرط شبه إجباري للحصول على التمويل، إذ أصبح، في العديد من البنوك والمؤسسات المالية، يُطلب من المقترضين الحصول على تأمين على الحياة عند طلب قرض لتمويل شراء عقار، وذلك بهدف حماية حقوق البنك أو المؤسسة المالية في حالة وفاة المقترض أو عجزه عن سداد القرض. غير أن هذا الانتشار يثير إشكالات قانونية عميقة تتعلق بحدود مشروعية هذا التأمين، وطبيعته، ومدى احترامه لمبادئ حماية المستهلك والتوازن التعاقدي.
أولًا: مفهوم التأمين المرتبط بالقروض وأسباب إلزامية.
يقصد بالتأمين على القروض ذلك العقد الذي يبرمه المقترض، غالبًا لفائدة المؤسسة البنكية، قصد تغطية مخاطر معينة قد تعوق تنفيذ التزامه بالوفاء بالدين.
وهذا التأمين فيه عدة ضمانات:
-فهو من جهة فيه حماية لحقوق البنك حيث يضمن سداد القرض في حالة وفاة المقترض أو عجزه.

  • ومن جهة أخرى يقلل من المخاطر التي قد يتعرض لها البنك أو المؤسسة المالية.
  • وأخيرا فهو يشكل ضمانا لسداد القرض بشكل كامل أو جزئي في حالة وفاة المقترض أو العجز الكلي أو الجزئي أو فقدان الشغل أحيانًا.
    كما ان الغاية المعلنة من هذا التأمين هي ضمان استقرار المعاملة الائتمانية وحماية كل من المقرض والمقترض، إلا أن هذه الغاية قد تنقلب إلى أداة ضغط إذا فُرض التأمين بشروط غير شفافة أو دون تمكين المستهلك من حرية الاختيار.

ثانيًا: الإطار القانوني للتأمين على القروض في التشريع المغربي

  1. مدونة التأمينات
    تنظم مدونة التأمينات (القانون رقم 17.99) الإطار العام لعقود التأمين، حيث تشترط رضائية العقد، ووضوح شروط الضمان والاستثناءات، واخيراالتزام المؤمن بالإعلام والتفسير.
    ويُفهم من ذلك أن أي تأمين مفروض دون موافقة حرة ومستنيرة يُعد مخالفًا لجوهر عقد التأمين، وقد يرقى إلى بطلان جزئي أو مسؤولية مدنية.
  2. قانون حماية المستهلك (القانون رقم 31.08)
    يُعد هذا القانون حجر الزاوية في تقييم مشروعية التأمين المرتبط بالقروض، حيث ينص على:
    _ حق المستهلك في الإعلام (المادة 3).
    _ منع الشروط التعسفية (المواد 15 إلى 19).
    _ وحظر البيع المشروط أو الإجباري لخدمة مرتبطة بخدمة أخرى.
    وبناءً عليه، فإن إجبار المقترض على التأمين لدى شركة معينة أو ضمن عقد القرض دون إمكانية الرفض أو الاختيار يشكل ممارسة تجارية غير مشروعة.
  3. قانون الالتزامات والعقود
    يرتكز هذا القانون على مبدأ سلطان الإرادة (الفصل 230)، لكنه يقيده بشرط خلو الرضا من الإكراه، وتحقيق التوازن بين الالتزامات المتقابلة.
    وعليه، فإن فرض التأمين كشرط غير قابل للتفاوض قد يُعتبر إكراهًا اقتصاديًا، خاصة عندما يكون المقترض في وضعية ضعف.

ثالثًا: التمييز بين القروض العقارية والاستهلاكية
القروض العقارية: غالبًا ما يُبرر التأمين فيها بقيمة العقار ومدة القرض، غير أن ذلك لا يبرر فرضه دون بدائل أو دون شرح دقيق لنطاق التغطية.
القروض الاستهلاكية: يزداد الإشكال حدة، لأن مبالغها أقل، ومع ذلك تُثقل بكلفة تأمين قد تفوق أحيانًا فائدته الحقيقية للمقترض.


رابعًا: الإشكالات العملية والقضائية
تطرح الممارسة البنكية عدة إشكالات، من بينها:
_ عدم تسليم نسخة مستقلة من عقد التأمين.
:غموض شروط الاستثناء. استمرار اقتطاع أقساط التأمين رغم انعدام تحقق الخطر المؤمن منه.
_ رفض تفعيل الضمان بدعوى أسباب شكلية.
وقد بدأت بعض التوجهات القضائية تميل إلى ترجيح كفة حماية المستهلك متى ثبت غياب الرضا الحر أو الإخلال بواجب الإعلام.

خامسًا: نحو إعادة التوازن التعاقدي
إن تحقيق التوازن يقتضي:
الفصل الواضح بين عقد القرض وعقد التأمين، تمكين المقترض من اختيار شركة التأمين.
تعزيز الرقابة على الشروط التعسفية. تفعيل دور القضاء في حماية الطرف الضعيف.

وختاما، فإن التأمين على القروض، رغم مشروعيته من حيث المبدأ، لا يمكن أن يتحول إلى أداة إلزامية تُفرغ حرية التعاقد من مضمونها. فحماية الاستقرار المالي لا ينبغي أن تكون على حساب حقوق المستهلك، ولا بد من قراءة متوازنة للنصوص القانونية تضع الإنسان قبل المعاملة، والعدالة قبل الربح.

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *