آخر الأخبار

أضف النص الخاص بالعنوان هنا

بعد صافرة النهاية… ماذا ربحنا حقًا؟

بعد صافرة النهاية… ماذا ربحنا حقًا؟

عبد اللطيف سرحان - الجديدة

الأستاذة مليكة حفيظ قاضية سابقا ودكتورة في الحقوق

من نشوة “الكان” إلى أسئلة الوطن وهموم المواطن المؤجَّلة
مقال رأي: الدروس التي يجب أن نتعلّمها بعد انتهاء مباريات كأس إفريقيا
انتهت مباريات “الكان”، وانطفأت الأضواء، وهدأت الهتافات، لكن الأسئلة الكبرى ما تزال معلّقة في الهواء. ماذا ربحنا فعلًا؟ وماذا خسرنا؟ وهل كانت كرة القدم انتصارًا للوطن… أم غطاءً مؤقتًا لواقع أعمق وأصعب؟
لقد كشفت البطولة، بما لها وما عليها، حقيقة أساسية: كرة القدم قادرة على توحيد المشاعر، لكنها عاجزة عن إصلاح الأعطاب البنيوية التي يعاني منها المجتمع. يمكن للملاعب أن تمتلئ، لكن المستشفيات ما تزال مكتظّة، والمدارس تعاني، والشباب يواجه البطالة، والفئات الهشّة تصارع من أجل أبسط شروط الكرامة.

الدرس الأول: الرياضة ليست أولوية على حساب الإنسان
لا أحد يعارض الاستثمار في الرياضة، لكن الإشكال حين تصبح الأولوية للملاعب بدل المستشفيات، وللعشب الأخضر بدل الأقسام الدراسية، وللصورة الإعلامية بدل جودة الحياة اليومية للمواطن. التنمية ليست في عدد الكؤوس، بل في عدد المواطنين الذين يشعرون بالأمان الاجتماعي والاقتصادي.

الدرس الثاني: الشباب يحتاج فرصًا لا شعارات
في الوقت الذي يُرَوَّج فيه للرياضة كأداة لإلهاء الشباب أو امتصاص احتقانه، تستمر معدلات البطالة في الارتفاع، وتتعمّق أزمة الإدماج الاقتصادي والاجتماعي. الشباب لا يحتاج إلى انتصارات رمزية، بل إلى سياسات تشغيل فعالة، وتكوين ذي جودة، وضمانات فعلية لمستقبل كريم داخل الوطن
شبابنا لا يحتاج فقط لحظات فرح عابرة أمام الشاشات، بل يحتاج إلى عمل كريم، وتكوين جيد، وأفق واضح داخل وطنه. الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان، لا في النشوة المؤقتة، ولا في انتصارات رمزية سرعان ما تتبخر.


الدرس الثالث: الميزانية سؤال أخلاقي قبل أن تكون رقمًا
حين تُصرف الملايير على التظاهرات الرياضية، يصبح من المشروع — بل من الواجب — أن نسأل:
ماذا عن الصحة؟
ماذا عن التعليم؟
ماذا عن القرى المهمَّشة؟
ماذا عن الأسر التي تعجز عن العلاج أو الدراسة أو العيش الكريم؟
المسؤولية ليست في تنظيم المباريات فقط، بل في ترتيب الأولويات بما يخدم المصلحة العامة.

الدرس الرابع: الوطن أكبر من مباراة
الوطن لا يُختصر في 90 دقيقة، ولا يُقاس بضربة جزاء، ولا تُبنى كرامته بالتصفيق في المدرجات. الكرامة تُبنى بالعدالة الاجتماعية، وبالسياسات العمومية العادلة، وبالإحساس الجماعي بأن الدولة تستثمر في مستقبل مواطنيها، لا في صورتها فقط.
ماذا ربحنا في النهاية؟
ربحنا لحظات فرح.
ربحنا تنظيمًا جيدًا.
لكننا خسرنا فرصة أعمق إن لم نحوّل هذه اللحظة إلى مراجعة شاملة لمسارنا التنموي، إذ أن الرياضة ليست مشروعًا تنمويًا ولا بديلاً عن العدالة
الاجتماعية.
فكرة القدم يمكن أن تكون مصدر فخر، وأن تمنح لحظة فرح، لكنها لا تبني مستشفى، ولا تُصلح مدرسة، ولا تُقلّص الفوارق الاجتماعية. تحويل الرياضة إلى أداة لتسويق “النجاح الوطني” دون معالجة الاختلالات الحقيقية، هو انزلاق نحو منطق الإلهاء بدل الإصلاح. وبالتالي فالرياضة ليست بديلًا عن نموذج تنموي فاشل، ولا غطاءً عن تعثّر الإصلاحات، ولا مبرّرًا لتأجيل الأسئلة الجوهرية حول العدالة الاجتماعية، والتفاوت المجالي، وتكافؤ الفرص.
الدولة القوية لا تُقاس بعدد الملاعب، بل بعدد المواطنين الذين يشعرون بالأمان والكرامة والعدالة.
فقرة قانونية مرجعية: الدستور في مواجهة الواقع
ينصّ الدستور المغربي بوضوح على:
الحق في الصحة
الحق في التعليم
الحق في الشغل
ربط المسؤولية بالمحاسبة
الحكامة الجيدة وترشيد النفقات العمومية
غير أن الفجوة بين النص الدستوري والواقع العملي تزداد اتساعًا.
فحين تُهمَّش القطاعات الاجتماعية لصالح مشاريع ذات طابع استعراضي، فإن ذلك يشكّل إخلالًا بروح الدستور، وبالالتزامات السياسية والأخلاقية للدولة تجاه مواطنيها.
ما بعد “الكان”: لحظة مساءلة لا لحظة تبرير
ما بعد “الكان” يجب أن يكون لحظة مراجعة سياسية شجاعة
إذا كانت لهذه التجربة قيمة، فيجب أن تكون منطلقًا لنقاش وطني صريح حول توجيه الموارد العمومية، وحول النموذج التنموي، وحول العدالة المجالية والاجتماعية. لأن الدول لا تُقاس بعدد البطولات، بل بقدرتها على صون كرامة مواطنيها، وضمان حقوقهم، وتحقيق تنمية عادلة ومستدامة، ولحظة لمساءلة:
من يقرّر أولويات الميزانية؟
من يراقب أثر الإنفاق العمومي؟
ومن يتحمّل مسؤولية تراجع الخدمات الأساسية؟
انتهت المباريات، لكن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد:
معركة إصلاح الصحة،
وإنقاذ التعليم،
وتشغيل الشباب،
وتوجيه الميزانية نحو الإنسان قبل الملاعب.
وخلاصة القول، إذا كانت كرة القدم قد منحتنا درسًا، فهو هذا. فالأوطان لا تدار بالشعارات، الأوطان لا تُبنى بالأهازيج، ولا تُدار بالصور التذكارية، ولا تنهض بالتصفيق… بل بالقرارات الشجاعة، والسياسات العادلة، والمساءلة الصارمة، والاستثمار في الإنسان قبل الملاعب، والاهتمام الحقيقي بالمواطن .

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *