آخر الأخبار

أضف النص الخاص بالعنوان هنا

بطريق “هيرزوغ” رحلة نحو العدم أم تمرد على رتابة الوجود؟

بطريق “هيرزوغ” رحلة نحو العدم أم تمرد على رتابة الوجود؟

عبد اللطيف سرحان - الجديدة

لمياء مومو

​في عام 2007، طرح المخرج الألماني فيرنر هيرزوغ في فيلمه “لقاءات عند نهاية العالم” سؤالا بدا آنذاك غريبا “هل يمكن للحيوان أن يجن؟” لم يأت السؤال من فراغ، بل كان تعليقا على مشهد بطريق انسلخ عن سربه، وبدلا من التوجه نحو المحيط حيث الغذاء والحياة، استدار نحو الجبال الجليدية القاحلة، منطلقا في رحلة انتحارية نحو حتفه المحتوم.

​إن تعاطف رواد التواصل الاجتماعي اليوم مع هذا البطريق يتجاوز مجرد الشفقة على حيوان ضل طريقه. نحن نرى في ذلك الكائن الصغير تجسيدا لـ “الاغتراب” الذي نعيشه في عصرنا الحديث. ففي عالم يفرض علينا السير ضمن “القطيع”، واتباع مسارات محددة للنجاح والبقاء، يبدو قرار البطريق بالذهاب نحو “اللاشيء” كأنه صرخة احتجاج صامتة ضد رتابة الوجود.

​يخبرنا المخرج أن العلماء لا يتدخلون لإنقاذ هذا البطريق، لأن الطبيعة لا ترحم الضعفاء أو “المجانين” هذا المشهد يضعنا أمام مرآة قاسية فهو يذكرنا بمدى هشاشة النفس البشرية عندما تفقد “البوصلة المعنوية” إن البطريق الذي يمشي وحيدا نحو المجهول يمثل تلك اللحظة الحرجة التي يقرر فيها الفرد التخلي عن غريزة البقاء عندما يصبح المسار الجماعي بلا معنى.


​إن إعادة إحياء هذه القصة في الوقت الراهن تشير إلى أن الكثيرين باتوا يشعرون بأنهم ذلك البطريق في ظل ضغوط الحياة الرقمية والمادية، يتولد لدى الإنسان رغبة خفية في “الانسحاب” ليس بالضرورة انتحارا جسديا بل انسحابا نفسيا من مجتمع لم يعد يشبهه. لقد تحول البطريق من مجرد كائن في فيلم وثائقي إلى أيقونة فلسفية تعبر عن صراع الفرد ضد الحتميات التي تفرضها عليه الحياة.

​ربما لم يكن ذلك البطريق مجنونا بالمعنى الطبي، بل ربما كان الكائن الوحيد الذي قرر أن يختار نهايته بنفسه بدلا من انتظار افتراس الفقمات أو الموت جوعا في السرب.
قصة بطريق 2007 تذكرنا بأن أصعب أنواع الرحلات ليست تلك التي نقطعها وسط الزحام، بل تلك التي نقطعها وحيدين نحو دواخلنا، حيث لا يوجد سوى الجليد والصمت.

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *