بعدما اسدل الستار عن نتائج تمحيص المحكمة
الدستورية في القانون المنظم للمجلس الوطني للصحافة وما تلاه من نقاش ومن تداعيات سياسية وأخلاقية لان الامر لا يتعلق ولا يعد نقاشًا تقنيًا ولا خلافًا سياسيًا عابرًا، بل لحظة مؤسساتية كاشفة. حين تُعاد صياغة قانون صادقت عليه أغلبية عددية واسعة، وتُصرّح المحكمة الدستورية بعدم دستورية عدد من مواده، فإن الأمر يتجاوز التفاصيل ليصل إلى الجوهر: حدود السلطة ومعنى الدولة.
لقد قالت المحكمة الدستورية كلمتها بهدوء المؤسسات، لكنها كانت كلمة واضحة الدلالة: هناك دستور يسمو على الجميع، وهناك قانون لا يُخضعه عدد الأصوات، وليست البلاد مجالًا للغلبة ولا فضاءً للفوضى. بهذا المعنى، لم تنتصر المحكمة على أحد، بل أنقذت منطق الدولة من منطق التحكم.
هذا القرار لا يُضعف المحكمة، بل يرفع من شأنها، لأنها قامت بدورها الطبيعي كحارس للدستور. وفي المقابل، فإن الفشل هنا فشل جماعي: وزراء، برلمانيون، لجان، خبراء، ومستشارون، مع ما صُرف من أموال عمومية ودراسات، ومع ذلك خرج نصٌّ يتجاوز سقف الدستور. وهذا ليس خطأً عابرًا، بل عجزًا عن استيعاب معنى الدولة وحدود التشريع.
ولطالما قيل لنا، كلما انتُقد الأداء الحكومي، إننا أمام “حكومة كفاءات”.
فأين هذه الكفاءات اليوم؟
أين المهنية؟
وأين التجربة السياسية التي تُدرِك أن المنصب مسؤولية لا غلبة؟
للأسف، لم تعد للوزارة تلك الحرمة ولا ذلك المنطق الذي يُفترض أن يرافقها. فما وقع هزّ أركان الحكومة، ليس لأن المحكمة قالت كلمتها، بل لأن الإصرار على تمرير نصٍّ متجاوز للدستور تمّ بقوة العدد، مع تجاهل أن هذا البلد له دستور، وله مؤسسات، وله حدود لا تُكسر. وحين يُصرّ وزير، رغم كل التنبيهات والتجاوزات، على فرض قانون غير دستوري، فإن السؤال لا يعود قانونيًا، بل سياسيًا وأخلاقيًا: أين هي الكفاءة هنا؟ وأي معنى للكفاءة إذا كانت لا تعرف سقف الدستور ولا تحترم منطق الدولة؟
الخطورة لا تكمن في عدد المواد المرفوضة، بل في الفكرة التي حاولت أن تمر: أن تُفرض الإرادة بالقوة العددية، وأن يُنظر إلى الدستور كعائق لا كمرجعية. وحين يتحالف الجهل بالقانون مع منطق القوة، يتحول التعسف إلى ممارسة، وتصبح الدكتاتورية مسارًا لا شعارًا.
وفي هذا السياق، لا يمكن عزل ما جرى عن وضع الإعلام. فإذا أُعطيت الكلمة لغير المؤهلين، فلا تنتظر إعلامًا ولا صحافة. وإذا أصبح التزييف رأيًا، والضجيج تحليلًا، والتشهير بديلاً عن النقاش، فذلك دليل على أن الحقيقة لم تُهزم بالحجج، بل أُقصيت عمدًا. الإعلام لا يُقتل بالمنع فقط، بل حين يُفرَّغ من المعنى، ويُقدَّم الولاء على المهنية، ويُكافأ الصراخ بدل الفهم.
وهنا يظهر من اختاروا أن يجعلوا من أنفسهم محامين للشيطان؛ لا دفاعًا عن حرية ولا عن مهنة، بل دفاعًا عن غنيمة. أشخاص كانوا يمنّون النفس باستمرار الريع، والامتياز، و«التفرقيش»، ولو كان الثمن جثة الإعلام. لم يكن يعنيهم خرق الدستور، ولا إفراغ الصحافة من دورها، بقدر ما كان يعنيهم استمرار الامتياز، ولو على حساب الحقيقة وثقة المجتمع.
وإذا لم يلجأ المغاربة إلى القضاء، فهل البديل هو الشرع الفردي؟ أليس من حق المعارضة أن تلجأ إلى قضاء البلد ومؤسساته لحماية الدستور؟
الأصوات المبحوحة، التي لم ولن يكون لها وزن داخل المؤسسات، لن تستطيع أن تلغي وجود القضاء ولا تضرب الدولة. الحق يكمن في احترام المؤسسات، والالتزام بالقانون، وليس في الصراخ الفارغ أو الاستعراض الإعلامي.
إن أي تطاول على المحكمة الدستورية أو تشكيك في قراراتها ليس خلافًا سياسيًا مشروعًا، بل مساس بأسس الدولة نفسها. فالمحكمة ليست طرفًا، والطعن فيها طعن في مبدأ سمو الدستور وفي فكرة دولة القانون.
ما قالته المحكمة في النهاية بسيط وعميق في آن واحد:
هناك دولة،
وهناك قانون،
وهناك دستور لا يُخرق ولا يُؤوَّل على مقاس القوة.