رائعةُ الفنان الكبير عبد الوهاب الدكالي “مونبارناس”، ليست أغنية عاطفية عابرة، بل صيحة فنية في وجه العنصرية، واحتجاج إنساني، ضد ما يتعرّض له المهاجرون في بلدان تدّعي الاحتضان وتُمارس الإقصاء. كانت الأغنية موقفاً قبل أن تكون لحناً، ووجعا جماعيا قبل أن تتحول إلى ذاكرة موسيقية.
وعلى الإيقاع ذاته، نطلق اليوم صيحة أخرى… صيحةً ضد ما وقع في فاس وآسفي في ظرف أسبوع، موت هنا وموت هناك.
بلاغٌ يفضي إلى بلاغ، كما يفضي المقطع الموسيقي إلى لازمةٍ حزينة لا تنتهي. في كلّ فاجعة تُرفع الشعارات ذاتها: لجنة، تحقيق، ترتيب للمسؤوليات على الورق… ثم صمت فنسيان. ويبقى الوطن جريحا، ومرةً أخرى، الإنسان هو الضحية.
في فاس، انهار ما كان يفترض أن يحمي الأرواح، جدرانٌ سقطت لأنها بُنيت خارج الرقابة، أو تحت عين أغمضت عمداً.
وفي آسفي، لم يكن الغرق حادثاً طبيعياً، بل نتيجة منطقية لمدينة تُركت في مواجهة المطر بلا بنية، بلا إنصاف، وبلا ذاكرة سياسية..
يختلف المكان، لكن اللحن واحد. مونبارناس تعود، لا كأغنية عن الغربة، وعن العنصرية التي يتعرض لها المهاجرون، بل كمرثية لسياسات تُتقن إصدار البلاغات وتفشل في حماية الحياة، وضمان الحق فيها.
كل كارثة تُقدَّم لنا على أنها استثناء، بينما الاستثناء الوحيد أن يمرّ زمن دون موتٍ كان يمكن تفاديه.
ما جدوى التحقيق… حين لا يُفضي إلى محاسبة؟
وما معنى اللجان… حين تتحول إلى فواصل زمنية بين فاجعة وأخرى؟
التحقيق جزء من الأزمة، لأنه يُستعمل لامتصاص الغضب، لا لتفكيك الفساد الذي لم يعد عارضا، بل صار بنيويا.
في هذا البلد، نموت في فاس بالخرسانة بعد انهيار مباني، ونموت في آسفي بالماء إثر فيضانات وسيول، ونعيش في كلّ المدن على الوعد ذاته: بلاغ وإعلان بفتح تحقيق
على إيقاع مونبارناس، فاجعة ترمينا لفاجعة ومع كل فاجعة بلاغ وتحقيق، …
وبين التحقيق والتحقيق…تحقيق … المواطن هو الضحية.
نواصل الاستماع إلى اللحن نفسه، نحفظ رناته ونغماته عن ظهر قلب، لكننا ننسى -عمدا أوم عجزا- أن نغير الكلمات.
نحفظ رناته ونغماته عن ظهر قلب، لكننا ننسى _ عمدا أو عجزا_ أن نغير الكلمات.
في فاس…في أسفي…مات خويا يا بويا…برصاص إهمال…بسباب فساد يا خويا …يا بويا.
ملحوظة: رائعة مونبارناس من لحن وأداء الفنان الكبير عبد الدكالي،ومن كلمات الشاعر الغنائي، المبدع محمد الباتولي. وفمايلي مقطع قوي ومعبر من الأغنية التي يبدو أنها محظورة في قنوات القطب العمومي، منذ زمان تحولت فيه الداخلية الى إعلام والإعلام الى داخلية على حد تعبير المرحوم عبد الكريم غلاب :
في مونبارناس مات خويا يا بويا..
قطار يا بويا يرمينا لقطار
وفي كل محطة تأشيرة وشك وانتظار
و مطار يودعنا ويستقبلنا مطار
عايشين دائما في حالة فرار
التيه يرافقنا
والخوف يطاردنا
يا مة يا مة غلبني الشوق يا مة
وحشني هوى البلاد…..