عرفت الساحة السينمائية المغربية خلال الأحداث الأخيرة تحولا عميقا في المواقف والرؤى بين جيلين من صناع الأفلام. فقد كشفت التطورات الاجتماعية والسياسية التي عاشها الشارع المغربي في الآونة الأخيرة عن شرخ واضح بين الجيل الجديد من السينمائيين الشباب ونظرائهم من الجيل القديم، شرخ لم يعد يقتصر على أساليب الإبداع أو الرؤية الفنية، بل امتد إلى الموقف من القضايا المجتمعية والإنسانية.
فمع تصاعد الاحتجاجات التي شهدتها بعض المدن المغربية، خرج عدد كبير من صناع الأفلام الشباب إلى الشارع أو إلى منصات التواصل الاجتماعي للتعبير عن دعمهم الصريح لمطالب المتظاهرين، مؤمنين بأن الفنان لا يمكن أن يظل محايدا أمام ما يحدث في وطنه. غير أن هذا الحراك الفني والإنساني لم يمر دون ثمن، إذ سجل اعتقال عدد من هؤلاء الشباب، كما شهدت الساحة وفاة عبد الصمد، أحد خريجي معهد السينما حديثا، إثر إصابته برصاصة طائشة خلال أحداث القليعة.
هذه الواقعة المؤلمة شكلت نقطة تحول في وعي الجيل الجديد، الذي عبر بقوة عن مطالبته بالإفراج عن المعتقلين وبالعدالة لعبد الصمد، مبرزا وعيا جماعيا جديدا يرى في الفن أداة للمسؤولية والتغيير الاجتماعي، لا مجرد وسيلة للتسلية أو مصدر رزق.
في المقابل، لزم معظم رموز الجيل القديم الصمت. لم تصدر بيانات تضامن، ولم تسجل مواقف واضحة. بدا وكأن ما يجري لا يعنيهم أو لا يدخل في نطاق اهتماماتهم المهنية، ما زاد من اتساع الفجوة بين الجيلين. فبينما يرى الجيل الجديد أن السينما موقف أخلاقي وإنساني قبل أن تكون عملا فنيا، ما زال الجيل القديم يتعامل معها كمؤسسة ومصدر دعم مالي ينبغي الحفاظ عليه.
هكذا أعلن الجيل الجديد، من خلال مواقفه الشجاعة، قطيعته الرمزية مع الجيل الذي سبقه، إيذانا بمرحلة جديدة في تاريخ السينما المغربية: مرحلة السينمائي الحر، الذي يغامر بكل شيء من أجل قول الحقيقة، في مقابل السينمائي المحترف الذي يخشى خسارة امتيازاته.
إن ما يجري اليوم لا يعكس فقط صراعا بين أجيال، بل يعيد طرح سؤال جوهري حول دور الفنان في المجتمع: هل هو مجرد مبدع معزول عن هموم الناس، أم شاهد على زمنه وصوت لمن لا صوت لهم؟
الجواب، كما يبدو، يكتبه جيل جديد بالكاميرا والصوت والجرأة.