آخر الأخبار

أضف النص الخاص بالعنوان هنا

المتسولون ذوي البشرة السوداء.. فقر ظاهر وتهميش خفي

المتسولون ذوي البشرة السوداء.. فقر ظاهر وتهميش خفي

عبد اللطيف سرحان - الجديدة

روبورتاج: نبيلة بنجدية

في أحد “القيصاريات” بمدينة مراكش، وبين صخب المرور وباعة الأرصفة، يجلس مصطفى، شاب يبلغ من العمر أربعة وعشرين عاما، تحمل ملامحه آثار رحلة شاقة انطلقت من غرب إفريقيا صوب “أرض الفرص” كما تخيلها.

لم يكن يحلم بالكثير، فقط بوظيفة مستقرة وحياة آمنة. لكنه، كغيره من المهاجرين ذوي البشرة السوداء في المغرب، وجد نفسه عالقا في دوامة جديدة من التهميش والخوف، والبحث اليومي عن لقمة العيش.
حين تحدثنا معه بشكل عابر، طلب رقم هاتفنا لعله يجد عبرنا فرصة عمل.

بلد عبور
لم يعد خافيا أن المغرب تحول خلال العقدين الأخيرين من بلد عبور إلى نقطة استقرار لآلاف المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء. ووفق تقرير حديث صادر عن المركز الوطني لتحليل الأوضاع الإنسانية (ACAPS).
فقد بلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء بالمغرب، حتى يناير 2025، حوالي 26,500 شخص، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، تقدر أعدادهم بما بين 50,000 و200,000.

ورغم المبادرات الرسمية التي تهدف ـ نظريا ـ إلى إدماجهم في النسيج الاجتماعي والاقتصادي، لا يزال عدد كبير من هؤلاء يعيشون على هامش الحياة: على الأرصفة، وعند إشارات المرور، بأيد ممدودة وابتسامة مترددة، خشية نظرة قاسية أو عبارة عنصرية.

حكاية ماريتا
سألنا “ماريتا”، وهي شابة مهاجرة، عن سبب لجوئها إلى التسول في بداية وصولها إلى المغرب، فأجابت بصراحة:
“ما كنتش كنقلب على التسول، ولكن بلا أوراق، وبلا معارف، الواحد كيبقى تايه… دابا الحمد لله خدامة فصالون الحلاقة، وكنجيب حسن من الزنقة”.
قصتا مصطفى وماريتا لا تمثل حالة استثنائية، بل تعكس واقعا يعيشه كثير من المهاجرين: فرص عمل محدودة في قطاعات غير مهيكلة، برواتب هزيلة وغير مستقرة، في مقابل التسول الذي، رغم مخاطره، قد يوفر دخلا أفضل.

لنايومي قصة أخرى
في الدار البيضاء، التقينا “نايومي”، شابة ناطقة بالفرنسية، تعمل في مركز نداء، تحدثت إلينا قائلة:
“الراتب قليل، لكن كيبقى أحسن من نظرة الناس ليا، فحال إلى كنت كنعتمد على الشفقة”.

سنة 2024 وحدها، أحبطت السلطات المغربية أكثر من 78,685 محاولة للهجرة غير النظامية، أكثر من نصفها تعود لمهاجرين من دول إفريقية.
وعلى الرغم من الجهود المبذولة للإدماج، لا يزال المهاجرون يشتغلون بشكل كبير في القطاعات غير الرسمية، مثل:
المقاهي والمطاعم، خاصةً في الدار البيضاء ومراكش، مراكز النداء الناطقة بالفرنسية، القطاع الزراعي في الجنوب، خصوصا بضواحي أكادير.
لكن الولوج إلى هذه المهن يظل مشروطا بالتوفر على علاقات شخصية أو وثائق إقامة قانونية، وهي عناصر يفتقر إليها الكثير من المهاجرين.


صورة نمطية
ورغم ما قد يبدو من ود في الشارع، لا يزال جزء من المجتمع المغربي يحتفظ بصورة نمطية سلبية عن المتسول الأسود البشرة، باعتباره “خطرا محتملا” أو “ناقلا للأمراض” أو حتى “عضوا في شبكات إجرامية”. وهي تصورات تغذيها بعض التغطيات الإعلامية غير المتوازنة، وتعمقها هشاشة السياسات التواصلية الرسمية.

في الواقع، غالبية هؤلاء لا يسعون إلا إلى حياة كريمة، بعيدا عن مد اليد أو الاحتيال.

إن إدماج هؤلاء المهاجرين بشكل حقيقي في المجتمع المغربي لا يزال يصطدم بعقبات عديدة.
فالدخول إلى سوق العمل الرسمي شبه مستحيل دون وثائق قانونية، كما أن الأولوية في التشغيل تمنح للمواطنين، مما يجعل الفرص شحيحة أمام المهاجر. أما من الناحية الصحية، فلا يستفيدون من أي تغطية صحية، باستثناء الحالات المستعجلة، ما يزيد من هشاشتهم أمام الأمراض والحوادث.

خوف متجذر
اجتماعيا، يواجه المهاجرون من ذوي البشرة السوداء نوعا من الخوف المتجذر، حيث تربط صورتهم ـ بشكل لا واع ـ بالجريمة أو العدوى. ويزيد الطين بلة غياب إحصائيات دقيقة وشفافة حول أعدادهم ووضعياتهم، ما يفتح الباب أمام الشائعات بدل بناء تصورات واقعية.

لا يمكن الحديث عن مستقبل مشترك دون اعتماد سياسات شاملة، شفافة وعادلة..
فالمشهد الذي نراه يوميا في شوارعنا، ليس فقط تعبيرا عن فقر مهاجر، أو امتدادا ديمغرافيا جديدا داخل المغرب، بل هو مرآة حقيقية لخياراتنا كدولة ومجتمع.

المتسول ذو البشرة السوداء ليس مشهدا “غريبا”، بل هو رسالة: أن هناك من يحتاج إلى صوت، وعدالة، وكرامة. لا إلى صدقة عابرة.

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *