في قلب مدينة برشيد الحديثة، وبين ضجيج السيارات وإيقاع الحياة اليومية المتسارع، ترتفع بناية شامخة بهدوئها، صامتة بكبرياء، لا تثير الانتباه إلا لمن يعرفون تاريخها أو مروا بجانبها بتأمل: كنيسة سان لوي، واحدة من الشواهد القليلة المتبقية على فترة الحماية الفرنسية بالمغرب.
بنيت الكنيسة في ثلاثينيات القرن الماضي لتخدم الجالية الأوروبية المقيمة بالمدينة.
كانت تتزين كل أحد بأجراسها المدوية، وتستقبل المصلين في صمت خاشع، بينما تعكس نوافذها المقوسة ضوء الشمس على أرضية باردة، وتملأ القبة العالية بأصداء التراتيل.
لكن مع استقلال المغرب وتراجع الوجود الأجنبي، أغلقت أبواب الكنيسة، وتوقفت الأجراس عن الرنين.

لم تهدم، ولم تتحول إلى مزار، بل تركت في منطقة رمادية، لا هي مكان عبادة، ولا هي فضاء ثقافي نابض بالحياة.
على مدى عقود، ظلت الكنيسة قائمة على حالها، إلى أن تقرر تحويلها بشكل جزئي إلى فضاء ثقافي.
فالمبنى الرئيسي للكنيسة، الذي كانت تقام فيه الصلوات، أصبح مكانا تتدرب فيه بعض الفرق المسرحية المحلية، بعد أخذ تراخيص من السلطات العمومية. أما البناية المرفقة بها.
فقد تحولت إلى مكتبة عمومية، يطلب من الطلبة الانخراط فيها بمبلغ رمزي (50 درهما سنويا). ومع ذلك، تظل هذه المكتبة مجهولة لدى أغلب الطلاب وسكان المدينة، في ظل غياب ترويج فعلي لها.
ورغم هذه التحولات، فإن الصمت لا يزال يلف المكان. لا جمهور، لا عروض منتظمة، وأحيانا لا إنارة ولا ماء.
مجرد فضاء فارغ، يحتضن بقايا زمن قديم، وأحلاما فنية لم تكتمل بعد.

ضياء، أحد الشباب المنتمين لفرقة مسرحية تستخدم المكان، يقول: “المكان رائع من حيث الفراغ والهدوء، لكنه منعزل للغاية. لا دعم، لا إعلان، و المرافق”.
أما خديجة، من سكان الحي، فتتحدث بعين الحنين: “يروي جدي كيف كانت الأجراس تدوي هنا كل أحد. اليوم تبدو مهجورة، لا نعلم حتى من يستخدمها أو ما الذي يجري داخلها”.
ويضيف الحاج الطيب بصوت يغلب عليه الأسى بعد أن اخبرناه انها اصبحت مكانا تستخدمه بعض الفرق المسرحية : “مكان العبادة أصبح مسرحا بلا روح… كأن المكان فقد هويته”.
من جهته، يرى الأستاذ صلاح الدين نفتاحي، عضو منخرط في جمعية عشاق المسرح، أن هذا الفضاء يستحق أن يعاد إليه الاعتبار، ويقترح رؤية متكاملة لإحياء الكنيسة وتحويلها إلى مركز ثقافي يومي للساكنة:
“كنيسة سان لوي ليست فقط معلمة دينية قديمة، بل هي فضاء يحمل في جدرانه قدسية وسكينة خاصة.
من المؤسف أن يبقى هذا المكان مهملا، في حين يمكننا تحويله إلى مركز ثقافي حي يحتضن العروض والمواهب، ويستعيد وهجه بتنسيق مع الجماعة والسلطات المحلية.
أقترح أن يتم فتح المكان بشكل يومي كمركز ثقافي متعدد الوظائف، يضم برنامجا أسبوعيا من الورشات الفنية في المسرح، الموسيقى، التشكيل والقراءة، إلى جانب تنظيم عروض مسرحية وسينمائية في نهاية كل أسبوع. كما يمكن تحويل بعض أركانه إلى فضاءات للقراءة واللقاء الثقافي المفتوح، وتشجيع زيارات المدارس وتنظيم جولات موجهة للأطفال واليافعين، لربطهم بذاكرة مدينتهم.
ولكسر العزلة، من الضروري ربط الكنيسة بشبكة أنشطة محلية ودعوة جمعيات المجتمع المدني لتنظيم فعاليات دورية داخلها، بالإضافة إلى تخصيص ميزانية سنوية بسيطة لصيانتها وتحسين تجهيزاتها الأساسية.
يمكن أن تصبح سان لوي مزارا يوميا لسكان المدينة إن تم إدماجها في الحياة الثقافية للمنطقة، بدل أن تبقى مجرد بناية منسية”.
هكذا إذن، تحولت كنيسة سان لوي من مركز ديني نابض بالحياة إلى بناية مسرحية بلا جمهور، ومنارة معمارية إلى فضاء مهجور لا يزوره سوى من يعرفه عن قرب.
في مدينة مثل برشيد، حيث يندر وجود معالم تاريخية حقيقية، تبقى هذه الكنيسة شاهدا صامتا على تحولات المدينة والمجتمع، وتطرح تساؤلات عميقة حول علاقة الناس بذاكرتهم المعمارية والدينية والثقافية. وبين صدى الماضي وصمت الحاضر، تقف “سان لوي” متأملة زمنا ولى، وزمنا جديدا لم يعترف بها بعد.