آخر الأخبار

أضف النص الخاص بالعنوان هنا

مخاطر فيديوهات “التهديد” بعد امتحانات الباكالوريا

مخاطر فيديوهات “التهديد” بعد امتحانات الباكالوريا

عبد اللطيف سرحان - الجديدة

نبيلة بنجدية

طفت على السطح، في الآونة الأخيرة، ظاهرة مقلقة تضاف إلى ظواهر تربوية واجتماعية أخرى في الوسط التعليمي، ويتعلق الأمر بموجة من الفيديوهات “التهديدية” التي ينشرها بعض التلاميذ على مواقع التواصل الاجتماعي، فور خروجهم من قاعات الامتحان، محملين بمرارة الفشل.

ويلجأ بعض التلاميذ إلى التهديد العلني تحن طائلة المتابعة القانونية، فقط لأن “زملاءهم” في القسم رفضوا أن يمدوهم بأجوبة الغش، أو لأن الأستاذ منعهم من استعمال الهاتف داخل الحجرة. فيخرج الواحد منهم إلى الكاميرا، ملوحا بيده، يتوعد هذا وذاك بالضرب أو “التشنتيف”، كأننا أمام مشهد من فيلم عن العصابات، لا داخل منظومة تعليمية.

المؤسف أن هذه المشاهد لا تبقى حبيسة الهاتف المحمول، بل تجد طريقها سريعا إلى صفحات إلكترونية وقنوات على اليوتيوب، بعضها بات يعرف مجازا – أو حقيقة – بقنوات “الصرف الصحي”، نظرا لما تروجه من محتوى لا يربي إلا على الرذيلة والانحطاط والسخرية من كل ما هو جاد.
هذه القنوات تصر على نشر الرداءة، وتقديمها في قوالب “تسلية” مخادعة، تغري المراهقين بتقليدها، وتدخل التلميذ في دوامة من التمرد المجاني، والبحث المرضي عن “البوز”، ولو على حساب كرامته، وسمعة زملائه، وهيبة أستاذه.

فجأة، لم يعد التلميذ يرى في الغش جريمة أخلاقية أو خرقا لقانون مدرسي، بل صار يعتبره “حقا مكتسبا”، ومن يرفض مساعدته في الغش هو “خائن”، ومن يطبق القانون “ظالم”.
هذا المشهد الغريب، يغيب تماما دور المدرسة التربوي، ويفرغ الامتحانات من مضمونها، ليتحول النجاح إلى سباق قذر نحو تحصيل النقطة، بأي وسيلة، وبأي ثمن.


الخطير في الأمر أن هذه الفيديوهات لا تنتج دائما من فرط الغضب أو الضغط، بل في أحيان كثيرة تصور عن سابق إصرار وترصد، وبمستويات تمثيلية مقصودة، لغايات الترفيه أو إثارة الجدل، ما يطرح سؤالا حقيقيا حول القيم التي يتربى عليها جيل اليوم، وعن البيئة الرقمية التي يترك فيها الطفل والمراهق دون رقابة أو توجيه.

لا يمكننا أن نغض الطرف عن هذا الواقع، أو أن نكتفي باعتباره ظاهرة “معزولة”.
فنحن أمام أزمة أخلاقية بنيوية، تشارك في صناعتها المدرسة والأسرة والإعلام، وتزيدها تفاقما تلك المواقع التي تتفنن في تسويق التفاهة، بل وتجعل من التلميذ الذي يهدد ويصرخ “نجما” لليلة أو ليلتين، إلى أن يأتي من هو “أوقح” منه.
أمام هذا الانهيار القيمي، لا يكفي أن نطالب التلميذ بضبط النفس أو أن نحيل البعض منهم إلى مجالس تأديبية.

لسنا ضد النقد، ولسنا من أنصار دفن الرؤوس في الرمال. نعلم أن المدرسة تعاني، وأن المنظومة التعليمية كلها تحتاج إلى إصلاح عميق، لكن لا يجوز أن نسمح بتحويل فضائها إلى مسرح للعنف والابتزاز المجتمعي. فالفشل في الامتحان ليس نهاية العالم، والغش ليس حلا، والتهديد جريمة، وليس مجرد “مزحة شبابية”.

جيل يتعلم أن الغش “حق”، وأن منعه “ظلم”، هو جيل مهدد بفقدان البوصلة. جيل تربيه قنوات “الصرف الصحي” على الرداءة، بدل أن ترعاه مؤسسات تصنع منه إنسانا نافعا. ولهذا، فإن ترك الحبل على الغارب لهذه الظواهر لن يضر فقط بالتعليم، بل سيشكل تهديدا حقيقيا لبنية المجتمع وسلمه القيمي.

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *