آخر الأخبار

أضف النص الخاص بالعنوان هنا

“بلانكا بريس” تطارد الهدر المدرسي في الشوارع

“بلانكا بريس” تطارد الهدر المدرسي في الشوارع

عبد اللطيف سرحان - الجديدة

إعداد: نبيلة بنجدية

أطفال بأعداد لا حصر لها في الأزقة والشوارع وقت الدوام المدرسي. يلعبون ويركضون هنا وهناك، غير مبالين للأمطار أو لدرجات الحرارة، وغير آبهين لعدوى فيروس قاتل، وطفراته القديمة وسلالاته الجديدة. غير مهتمين بالوقت أصلا، والمواعيد لا تعنيهم. لا تؤرقهم واجبات مدرسية ولا تعيقهم امتحانات عما هم منهمكين فيه.
في بعض البلدان المتقدمة، رؤية طفل يمشي في الشارع في توقيت الدوام الدراسي يعد جريمة يحاكم بسببها ولي أمره. هنا الوضع عادي جدا: من حقه أن يستمتع بطفولته.. أن يلعب ويلعب ويستمر في اللعب إلى أن تفوته الحصة الأولى، ثم الثانية والثالثة، ثم بعدها السنة الدراسية.. وبعدها قطار التعليم، ليجد نفسه لقمة مستساغة للجهل والأمية والتهميش والإقصاء… وماذا بعد…. لكم واسع النظر.

“مدخلتوش.. خفت عليه من المرض “
تطل الأم متأففة للمرة الرابعة من النافذة، وتنادي ابنها الذي مازال يركض غير مبال وراء كرة، “واطلع البعلوك…طلع تغذا”. عصام طفل لم يتجاوز 8 سنوات، منذ بداية جائحة كورونا، تحول الشارع إلى بيته الثاني. صوت أمه يصدح في اليوم مليون مرة، في محاولات يائسة لحثه على الدخول إلى المنزل، لكنه يرفض دائما.
سألتُ أم عصام عن مواعيد دراسته، أجابت بغبن: “أشمن مدرسة الله يهديك، هاد العام مادخلتوش، خفت عليه أختي من المرض، أصلا العام اللي فات ماقرا والو.”….

“الله يعز كورونا”
في نفس الشارع، حوالي عشرون طفلا، بأعمار مختلفة، يتناوبون على اللعب، منذ الساعات الأولى لطلوع الشمش، إلى ما بعد صلاة المغرب.
اقتربت من أحدهم، ثم تحلق حولي الآخرون، معتقدين بأني تائهة وأبحث عن عنوان، سـألتهم “غالبا ما أجدكم تلعبون، متى تذهبون إلى المدرسة؟ ومتى تقومون بواجباتكم المدرسية؟ رد علي الأطفال المتعرقين، بشكل جماعي، تقريبا، وبنبرة لا تخلو من سخرية… الواجبات؟ أي واجبات؟”، ثم صمتوا، حين نهرهم طويل القامة واستولى على الكلمة: “وا غير لقرينا ليهم في المدرسة لاباس عليهم… أصلا فين أو فين باش تايجي الأستاذ… هادشي إلى ما لقاوش شي حالة ديال كورونا فالمدرسة… أو عطاونا 14 يوم ديال العطلة…. الله يعز كورونا”.
تفرق “الشياطين” من حولي، وهم يصرخون بأعلى صوتهم ” كورونا… كورونا”….
دفعني هذا المشهد للاستمرار في التحقيق في الموضوع… كيف يتابع الأطفال دروسهم في ظل الجائحة؟ ماهي الصعوبات؟ وما رأي أولياء الأمور في عملية التحصيل؟

” كثرة الهم تضحك”
توجهت إلى حي آخر، لأجد مجموعة أخرى من الأطفال يلعبون في زقاق ضيق، سألت أحدهم عن منزله، بعد أن عرفته بنفسي، فدلني عليه وتبعني إليه، سألت أمه عن مواعيد دراسة ابنها فبدأت بالضحك… ” اوا شنو غادي نقول ليك ابنتي…. كثرة الهم تضحك… بيني أو بينك. .. والله مين تانكلس نراجع مع ريان إلا قلبي تايضرني، أو تانحس بالغمة، أو البكية غي الله يصاوب أو صافي”…

“لالة زينة أو زادها نور الحمام”
خلال محادثتي مع أم ريان، سمعتنا جارتها فخرجت مهرولة، معتقدة أن ابنها في ورطة،” سحابلي حمد دار ليك شي حاجة… هلكني فصحتي…. كل مرة جايب ليا التبرية”.
بعد قليل، عرفت منها أن ابنها أحمد (8 سنوات)، توقف عن الدراسة،” ماشي انا اللي حبستو، أنا كنت تانقريه بالفلوس العام اللي فات، اوا مين المدرسة مادارو معانا والو، أو بغاو فلوسهم كاملين، خرجتو أو دخلتو للمخزن، الساعة كما تايقولو لالة زينة أو زادها نور الحمام، هو مفضي، أو مين لقا الوقت مفضية أكثر منو عطاها للتبطال، بقا هوكداك حتى كلس، عيينا مانضربو والو، احلف هو المدرسة مايمشي ليها”….

“اللهم العمش أولى العما”
أنهيتُ حديثي معهم، ليستوقفني”معاذ”، طفل في 9 من عمره،” خالتي خالتي… تسناي نكلم ليك ماما، را تاتعرف تهضر أحسن من هادو”…. بعد لحظات ظهرت أمه وهي تمسك بطفل لم يتجاوز عمره 4 سنين، سألتها هل يتابع ابنها الصغير دراسته، فأجابت:” مروان لا… في إشارة منها للطفل الصغير، مازال صغيرو مسكين، خفت عليه، أما معاذ آه تايمشي، دايرين ليهم نص نهار، مرة فالصباح مرة فالعشية، المهم اللهم العمش أولى العما، اللهم هكدا أولى داك الحجر الصحي…. راه مرارتي كانت غادي طرطق، سطاوني بجوج”….

“ماتبدل صاحبك غي بما أكرف”
إسماعيل قصته مختلفة، طفل في التاسعة من عمره، تلمع عيناه ذكاء، أخبرتني أمه بحسرة أنه متفوق في دراسته، لكن شبح الإخفاق يطارده من كل الجهات.
” إسماعيل تايقرا مزيان، ولكن تهرس ولدي مسكين، العام اللي فات كان تايقرا فمدرسة الفلوس، كان تايجي هو الأول، بداية السنة هاد العام، مشينا نسجلوه، لقينا المدرسة سدات، إوا من تما أو حنا نجريو، إوا اختي راك عارفة ماتبدلي صاحبك غي بما أكرف، دخلناه لمدرسة المخزن، دابا مازال تايقرا، واخا زعما غي نص نهار، أو المستوى ديالهم شويا ضعيف، ولكن راه مازال شاد شويا، الخوف هو الى بقا الوضع هوكا، أكيد غادي يضيع”.

ظاهرة الهدر المدرسي في المغرب ليست وليدة الجائحة

أوضحت معطيات المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، سنة 2019، أن هذه الظاهرة قد شهدت ارتفاعا ملحوظا بين سنتي 2016 و 2018، حيث أن عدد التلاميذ والتلميذات المنقطعين عن الدراسة في جميع أسلاك التعليم المدرسي انتقل من 407 ألف و 547 تلميذ وتلميذة سنة 2016 إلى 431 ألف و 876 تلميذ وتلميذة سنة 2018.
هذه الظاهرة تطال بشكل قوي سلك التعليم الابتدائي، حيث سجل هذا الأخير 29.2 في المائة من مجموع حالات الانقطاع المدرسي في نفس السنة،
وفي إحصائيات جديدة صادرة في يناير الجاري، أفاد وزير التربية الوطنية أن 304 آلاف و545 تلميذا كانوا ضحايا الهدر المدرسي هذه السنة.

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *