«الشعب يريد إسقاط الفساد»… كان يومًا شعارًا هزّ الشوارع، أقلق منظومة كاملة، وفضح نهبًا ممنهجًا وغيابًا فاضحًا للمحاسبة. اليوم تغيّر الشعار: «الشعب يريد كأس إفريقيا». فرق شاسع بين المطالبة بحقٍّ أصيل، والمطالبة بلحظة فرح عابرة.
الكرة في حد ذاتها ليست المشكلة، بل توظيفها السياسي. الفرح الجماعي مشروع، بل ضروري، لكنه يتحوّل إلى مخدّر سياسي حين يُستعمل لتغطية البطالة، غلاء المعيشة، وتدهور الخدمات العمومية. الانتصار في الملعب يُسوَّق كتعويض عن الانكسار اليومي، لكنه لا يُصلح خللًا بنيويًا ولا يبني مستقبلًا.
المفارقة الصادمة تتجلى بوضوح: سرعة قياسية في الاستعداد لكأس إفريقيا، وحماس غير مسبوق للإعداد لمونديال 2030، مقابل بطء ثقيل في إصلاح التعليم، الصحة، ومحاربة الفوارق الاجتماعية والمجالية. إنه مغرب السرعتين: سرعة في تشييد الملاعب، وبطء في تنمية الإنسان والمجال.
نعم للفرح، دون عقد أو وصاية. نعم للاحتفال حين يبتسم الوطن في المستطيل الأخضر. لكن الفرح، إن لم يتحوّل إلى طاقة ضغط من أجل الإصلاح الحقيقي، يظل استهلاكًا عاطفيًا بلا أثر. والمدخل الوحيد لكل إصلاح جدي هو الديمقراطية الحقيقية: انتخابات نزيهة، محاسبة المسؤولين، شفافية المؤسسات، ومشاركة فعلية للمواطنين في اتخاذ القرار. بدون ذلك، يبقى كل إصلاح هشًّا، تمامًا كأي انتصار رياضي سرعان ما يذوب مع صافرة النهاية.
فالفساد ما زال قائمًا، والغلاء مستمر، والخدمات العمومية تتعثر. وما لم يتحوّل الهتاف إلى محاسبة، والكأس إلى رافعة إصلاح، سيبقى الشعب أسير لحظة زائلة، يهلّل ويحتفل، بينما سقف حقوقه ينخفض يومًا بعد يوم.
الخطير ليس فرح الشعب…
الخطير أن يُدجَّن هذا الفرح ويُقدَّم له باعتباره السقف الأعلى لما يستحقه.
المغرب يسكن شغاف القلب، ولهذا لا نريده وطنًا يكتفي بشعار «ديما مغرب» حين تنتصر الكرة وتخفت بقية الأسئلة. نريده «ديما المغرب» في الديمقراطية كما في الملاعب، في كرامة الإنسان قبل صخب المدرجات، وفي تنمية المجال قبل صور الافتتاح.
«ديما المغرب» ليست نشوة عابرة، بل التزام دائم بالعدالة، بالمحاسبة، وبوطن لا يجتهد ويسعى ليربح الكؤوس فقط… بل ليربح مستقبله أيضًا.